نجمة العدد: العاتية.. تختار الرياح عنواناً لعصف الكلمات
السيدة الأولى · 2026-09-19
نجمة العدد: العاتية.. تختار الرياح عنواناً لعصف الكلمات
بغداد - السيدة الأولى
كعقد لؤلؤ ينساب حديثها رقيقاً بلمعة خجولة لحياء إمراءة عراقية تحب الشطآن ودجلة والفرات ابنة وادي الرافدين، من جنوبه إلى شماله، ومن شرقه إلى غربه. هي القوية كحد الماس في دمها يجري نهران، وفي روحها تاريخ آباء وأبناء وأحفاد.. هي التي يلقبونها بالعاتية تنتمي إلى عائلة لا تعيش معها فحسب.. بل تعيش فيها، لأنها امتدادها وجذورها وذاكرتها أنها الدكتورة الأديبة بان لطيف العاتي فرع من أصل أصيل، إنها ابنة شيوخ ( آل أزيرج ) من جنوب العراق من الناصرية وفرعها الشطرة ومن ذلك الأصل ولد عاتي، الفرع الذي أودعها في صدفة اللؤلؤ النطفة حتى كانت البان حين اشتد ساعدها، عادت إلى جذورها، فكانت العاتية.. اسماً يحمل معاني كثيرة ويعلن الانتماء، هي سيدة أولى في تخصصها الأدبي مع سيدات عراقيات أخريات يمثلن شموخ العراق وعنفوانه خططن بأقلامهن إبداعاً يشار له بالبنان.
بعيداً عن الكتابة.. من هي بان لطيف في تفاصيلها اليومية؟
أجابت بابتسامة اللؤلؤ الناصع: "بان لطيف هي أم ما زالت تركض خلف صغارها، تراقب احتياجاتهم وتسعد بنجاحهم كأنه نجاحها الأول، وهي جدة تتنفس أحفادها، تراهم زينة الدنيا وبهجتها، وهي أخت عرفت الصبر والعطاء، والمحبة، وابنة مهما كبرت ما زالت تشعر أنها لم تشبع من دفء أبويها، تقول: وفي الحياة.. لي صالون ثقافي باسم صالون العاتية يهتم بالثقافة والفنون وتدريب الحراك الفكري ويقدم مبادرات نوعية لإثراء الساحة الثقافية وتكريس قيم الثقافة العراقية الأصيلة، أما الصاحبة التي نخلص لرفقتها، والرفيقة التي تمشي مع من تحب الطريق، والحبيبة التي ما زالت تؤمن أن القلب، رغم كل شيء، قادر على أن يحب.. باختصار: أنا امرأة تعيش كل أدوارها بمحبة.. لا أعيش مع عائلتي فقط، بل أعيش فيهم".
الصمت حين يطرق الباب
عندما يطرق الصمت بابها تلجأ إلى الكتابة.. نتحدث عن ذلك باريحية البوح.
"لست كاتبة بمعنى الاحتراف، أنا أكتب حين أحتاج إلى الكتابة.. حين تضيق الأفكار بالكلام، أو حين يبحث الشعور عن نافذة يطل منها، أنا في لحظاتي الصامتة فأنا أعيش الحياة كما هي، أفعل كل ما يحتاجني.. وكل ما أحتاجه، وحين لا أمسك القلم تظل أفكاري تكتبني بصمت، وتتشكل في روحي مسؤوليات قد تتحول يوماً إلى كلمات".
خصومة مع الحزن
قبل الحديث نوهت لنا الدكتورة بأن بانه هناك ما تخفيه في نصوصها عن القارئ، إنها تخاصم الحزن المفرط المؤذي، تخفي الحزن المزدوج بمعنى الفقد.. "فلو تماديت في البوح، لأثقلت قلب القارئ بحزن لا أريده له، أنا لا أكتب لأقرأ مجهولين تماماً، بل لأناس أعرفهم ويعرفونني.. وإن لم نلتق يوماً بالوجود، فقد التقينا كثيراً في الكلمات، لذلك أترك بعض الألم بين السطور، لا أحجبه تماماً.. ولا أسمح له أن يفيض".
وتضيف: "لم تكن الكتابة ملاذاً بالمعنى الذي يشبه الهروب من الواقع، بل كانت ضرورة لفكرتي، تشبه حاجة الجسد إلى الماء، لم أكتب لأحتمي من الحياة، بل لأبقى قادرة على احتمالها، كانت الكتابة مساحة أتنفس فيها حين تضيق الفكرة وطريقاً أعبر من فوقه، ولذلك لم تكن مواجهة مع الذات بقدر ما كانت مواجهة مع الحياة نفسها، أكتب لأفهمها أكثر، وأتسع لها أكثر، دون أن أدعي النجاة منها".
ما هي مخاوفك التي واجهتك وانعكست بطريقة غير مباشرة في أعمالك؟
صمتت قليلاً ثم أجابت بنفس عميق: "لا يسكنني الخوف كثيراً؛ فأنا إنسانية قدرية جداً، أؤمن أن ما يمر بنا في الحياة له حكمة ومقدّر مسلّفاً. لكن هناك رهبة خفية أواجهها بصمت هي رهبة الفقد، والخشية من ألا يتسع صدري بما يكفي لاحتمال ثقله، وهي مخاوف لا أصرح بها كثيراً، لكنها تتسرب أحياناً إلى الكتابة... لا بشكل مباشر، بل كظل خفيف يمر بين السطور".
المرأة قوية في المجتمع وفي عموم الحياة؛ عناصر قوة وضعف، فأي من جهة منهما تنتمي الدكتورة بان؟
"في الحقيقة أنا لا أنتمي إلى الهشاشة بقدر ما أنتمي إلى الصبر، فالأيام علمتني أن أكون أكثر صلابة مما أبدو، وأن أحتفظ بتوازني حتى في اللحظات التي قد تنكسر فيها أشياء كثيرة حولي، قد يشعر الإنسان أحياناً بالتعب أو الحزن، وهذا جزء طبيعي من إنسانيته، لكنني لا أسمح للهشاشة أن تسكنني أو تعرفني، أنا أرى أن القوة الحقيقية ليست في إذكار المشاعر، بل في القدرة على ضبطها وتوجيهها، وبأن أستمر متماسكة. لذلك أتعامل مع ما يمر بي بهدوء، ومسؤولية، وأحاول دائماً أن أبقى ثابتة بما يكفي لأكون سنداً لنفسي ولمن حولي، ومما أضاف لي قوة أكبر هي تجربة التي تركت الأثر الأعمق في تكويني النفسي، بل نحتته - معركة يومية للحفاظ على هوية أطفالي من الذوبان، يؤرقني أن يكبر صغاري بناكرة لا تسكنها تفاصيل الوطن، لذا جعلتُ من نفسي جسراً يربطهم بجذورهم، وحوّلت غربتي من غربة ضياع إلى رسالة مقدسة أن أزرع فيهم حنين الأرض دون أن يفقدوها، كي لا يصبحوا عابرين في تاريخهم كما هم عابرون في الجغرافيا. فكان العراق حاضراً بأكمله بأثار بلدي باسمائه الشوارع والازقة، وأهم من كل هذا بكلماتي التي رفضت أن تفقد حروف عربية داخل جدران الدار".
الكتابة وجود
نستمر للؤلؤة ببريقها وهي تتحدث عن الوجدان والروح وما يعترضهما من مشاعر، فلا تناقض عندها... نقول: "لا أرى في شخصيتي ما يتناقض مع صورتي أمام الجمهور، فأنا لا أكتب ما لا أعيشه، ولا أتبنى موقفاً لا يمر عبر روحي وعقلي. معظمهما، ما أظهره جميلاً في حضوره.
في كتابتي هو امتداد طبيعي لما أعيشه وأؤمن به، لذلك أمشي دائماً فخصوصيتي إلى حد بعيد تعكس ملامحي الشخصية، لكنها لا تنقل في المساحة التي تمديل لها روحي ويحترمها عقلي، ويحترمها المجتمع حياتي كما هي، بل كما تعبر روحها؛ فأنا لا أكتب سيرة من حولي، فتعلمت أن للكلمات أفقاً لا ينتهي، وأن ما أظنه نهاية مباشرة، بل أكتب أثر ما عشته في داخلي؛ فالجرح حين يمر عبر القول ليس سوى بداية لأخرى له. كثيراً ما أعتمد بعد ما أنني القلب والعقل يتحول إلى معنى، وهنا المعنى هو ما يصل إلى النص.
قلت كل ما يمكن قوله، وأنه لا شيء، سيأتي بعده... لكنني أكتشف لذلك قد يجد القارئ شيئاً مني بين السطور، لكنه سيجد أيضاً لاحقاً أن في داخلي عشرات النصوص التي ما زالت تنتظر لحظة مساحة أوسع تتسع لتجاربه هو.
البوح. وهكذا تعتمد الكتابة في كل مرة أن ما في الروح أوسع من تقول بتطبيقي البوح وتدفقي؛ وما كتب عنها انفاد أن لكتاب جوكر حدود الكلمات، وأن الحكاية لا تنتهي ما دام القلب قادراً على الشعور. العاتية دلالات أولها أن العنوان لافت ومتركب، فالجوكر في عالمي هو كان هناك سؤالاً ملحاً آخر سألناها":
متى تشعرين بأنك حقيقية تماماً، بلا أقنعة أو أدوار؟
"أشعر بأنني حقيقية تماماً حين أكون مع أحفادي، هناك يسقط كل ما عدا القلب. في حضرتهم يتطهر الشعور من العطاء، غير المشروط، ذلك العطاء الذي لا يكلف شيئاً سوى المحبة. فأنا أكون عندها في حضرة نعمة لا تطالبني بشيء، سوى أن أحب، وحينها فقط أكون أنا... كما أنا، بلا أقنعة ولا أدوار".
وما موقع الرجل في حياتك؟ وفي كتاباتك؟
"الرجل في حياتي ليس تفصيلاً عابراً، بل هو حضور ممتد في كل مراحل عمري، فأنا أسيرة حت الأب... ذلك الحب الذي لا يغادرني، وما زال شعور احترامه يسكنني حتى بعد فراقه الذي أحدث الثمالث. ثم الأخوة... أولئك الذين كانوا رفاقي في كل شيء، حتى في أسراري الصغيرة التي لا تقال إلا لمن يشبهون القلب. ثم الحبيب... الزوج الذي لم يكتفِ بأن يكون شريك حياة، بل احتمل كل أجراني، حتى أفكاري. هكذا كان الرجل في حياتي، أباً يعلمني الهيبة، وأخوة يحيطونني بالسند، وزوجاً يسكنني حباً ويمنحني هيبة بين الناس.
فالرجل في حياتي... لم يكن ظلاً عابراً... بل كان شريك تكويني. الرجل الأب دعمني وساندني منذ طفولتي لإيصال أفكاري بطرق مختلفة، لأنني كنت أؤمن أن لكل سنلق طريقته الخاصة في فهم العني، ومع الوقت اكتشفت قدرتي على صياغة الفكرة نفسها بأساليب متعددة. فكانت تلك البدايات التي قادتني إلى الكتابة، لم تكن الكتابة قراراً بقدر ما كانت اكتشافاً لصوتي، ومساحة أختبر فيها عن أفكاري وأتواصل مع العالم من حولي.
الحوار مع صاحبة الصالون الثقافي يمتد بمتعة متناهية فبحضور اللؤلؤ يجمع الحديث... سألنا:"
هل كانت هناك لحظة مفصلية دفعتك لكتابة «جوكر العاتية» تحديداً؟
"لم تكن هناك لحظة واحدة بعينها، بقدر ما كان شعور التراكم الذي انتهى بولادة هذا الكتاب، «جوكر العاتية» كان بالنسبة لي أشبه بولادة ابن مفضل طال انتظاره، ابن اخترت ملامحه بعناية، وضعت تفاصيله بدقة، حتى خرج إلى الحياة كما أردته تماماً.
كتبته وأنا أحمل تحدياً داخلياً لكل من قال يوماً إنه لا يحب القراءة. أردت أن أضع بين يديه كتاباً يسرق منه الوقت دون أن يشعر، ويتعلم منه معنى الحكمة والفائدة، لذلك أخذ هذا الكتاب من عمري عمراً. لكنه خرج أخيراً كما تطمح ولادة المنتظرة، منعشاً في مخاضه، جميلاً في حضوره.
فنصوصي إلى حد بعيد تعكس ملامحي الشخصية، لكنها لا تنقل حياتي كما هي، بل كما تعبر روحها؛ فالجرح حين يمر عبر القول ليس سوى بداية لأخرى له... وهنا المعنى هو ما يصل إلى النص، لذلك قد يجد القارئ شيئاً مني بين السطور، لكنه سيجد أيضاً مساحة أوسع تتسع لتجاربه هو.
تقول بتطبيقي البوح وتدفقي؛ كما كتب عنها انفاد أن لكتاب جوكر العاتية دلالات أولها أن العنوان لافت ومتركب. فالجوكر في عالمي هو ذلك الكارت الذي يمتلك قدرة استثنائية على الحضور؛ كارت يسحق ويحتل كل الأوراق بلغة عالية، دون أن يعترض عليه أحد. أداة «العاتية»، فهي الريح التي تقتلع كل ما هو هش وبلا جذور. ومن اجتماع هذين المعنيين جاء العنوان؛ ليعكس حقيقة الكتاب: بوحٌ يمتلك قوة صدمة ثقة، وريحاً تمتحن الأشياء، لتبقي ما كان أصيلاً راسخ الجذور.
وتؤكد الدكتورة بان: ما أكتب ليس وسيلة لإرباك القارئ، بل هو الدلالة الأولى على ما ينتظره في النص. أنا لا أميل إلى إرباك التلقي ولا أرى في غموض المتعمد قيمة تحسب لأحد؛ ننتمي إلى المدرسة تؤمن بأن المعلومة تُقَدَّم لِكَي بُفهم عنها ويهتم بها، لذلك أضع العنوان بوصفه إشارة واضحة تقود إلى المعنى، لا خطأ يضلل القارئ.
أما من لا يهتم بالعنوان ولا بالمعنى، فليس في الكتابة ما يجبره على الدخول إلى النص، فالعلاقة بين الكاتب والقارئ يجب أن تقوم على الرغبة والاهتمام، لا على الإرباك أو الإلزام.
لم أرد كسر شيء، بقدر ما أردت أن أعيد للعنوان معناه البسيط والواضح. نحن تربينا على حجاية أهل الجنوب وعلى الأمثال الشعبية التي تقول: الكبار دكالمات قتيلة لإنك أميل إلى العنوان الذي يشبههم، مباشر، دال، ويختصر الفكرة دون زينة زائدة.
الثيمات والرسائل العميقة: ما القضايا الجوهرية التي يحاول الكتاب تفكيكها أو طرحها؟
"يحاول الكتاب تفكيك عدد من القضايا الإنسانية والفكرية التي تمس تجربة الإنسان في عمقها؛ مثل معنى القوة والضعف، والصراع بين الهشاشة والقدرة على الصمود، وفكرة الحضور الذي يفرض نفسه في الحياة كما يفعل «الجوكر» بين الأوراق الأخرى. كما يلامس الكتاب أسئلة الهوية والانتماء... وتأثير الفقد والغربة في تشكيل الوعي، إضافة إلى محاولة فهم العلاقات الإنسانية بما تحمله من حب، وسند، ومسؤولية.
وفي جوهره؛ هو محاولة لقراءة الإنسان من الداخل، والكشف عن تلك اللحظات التي يتحول فيها أصل إلى طاقة، والتجربة الشخصية إلى معنى يمكن أن يراه القارئ في نفسه".
هل النص صرخة، إعتراف، أم محاولة للشفاء؟
"النص ليس صرخة بالمعنى الذي يشبه الاستغاثة، ولا اعترافاً يبحث عن غفران، بل هو محاولة واعية لفهم ما يمر في الداخل وترتيبه بالكلمات، أكتب لأرى الفكرة بوضوح، ولأضع المشاعر في مكانها الصحيح، لذلك قد يراه البعض صرخة، وقد يراه آخرون اعترافاً، لكنه بالنسبة لي أقرب إلى شكل من أشكال الشفاء، الهدوء الذي تمنحه الكتابة لصاحبها.
كيف توازنين بين البعد الفلسفي والبعد الإنساني في الطرح؟
أوازن بين البعد الفلسفي والأبعد الإنساني بأن أبدأ دائماً من الإنسان قبل الفكرة، فالفسلفة بالنسبة لي ليست استعراضاً للمفاهيم، بل محاولة لفهم ما يعيشه الإنسان من أسئلة وتجارب.
لذلك أطرح الفكرة الفلسفية حين تفرضها التجربة الإنسانية، لا حين أبحث أنا عنها.
ثم تأتي الفكرة الفلسفية كإطار يفسر هذا الشعور ويمنحه عمقاً، بهذا الشكل تبقى الفلسفة قريبة من القلب، ويبقى الإنسان حاضراً في كل سطر، فلا يتحول النص إلى تنظير بارد، ولا يفقد إنسانيته لصالح الفكرة.
من هو الجوكر في العمل؟ هل هو شخصية؟ أم حالة؟ أم رمز متحول؟
"الجوكر في هذا العمل ليس شخصاً محدداً يمكن الإشارة إليه بإصبع، بل هو حالة تتكرر في حياتنا بأشكال مختلفة، قد يظهر في هيئة إنسان يمتلك قدرة عالية على التأثير، وقد يتجلى كرمز للقوة التي تقلب موازين المشهد فجأة.
في «جوكر العاتية»، أردته رمزاً متحولاً، يتمثل بحسب اللحظة والسياق، لكنه يبقى دائماً ذلك العنصر القادر على تغيير قواعد اللعبة، وكشف هشاشة ما نظنه ثابتاً، فالجوكر هنا ليس فراراً بقد ما هو فكرة عن القوة حين تتحرك خارج التوقع، الحديث عن الصراع في النص الأدبي شدنا وهي تؤكد بأنها بنت الصراع في النص على مستويين متوازيين، يلتقيان ويتصادمان أحياناً أخرى صراع داخلي، جعلته ينبع من التناقضات التي تسكن الشخصية، وصراع خارجي تمثل في مواجهة الشخصية مع محيطها، وجعلت الصراعين مرآة للحدث".
هل تعتمدين على ترك المساحات غامضة للقارئ كي يكملها؟
"أنا لا أتعمد ترك مساحات غامضة للقارئ بقدر ما أؤمن بالوضوح الصادق، كنت مباشرة في طرحي للحدث، لأنني أرى أن الكلمة مسؤولية، لا تحتمل التلغيز أو التجميل المفرط.
وقفت بثقة أمام من أخذت من علشة تاريخهم الحكمة، لذلك كان لزاماً علي أن أكون على قدر هذا الإرث، واضحة، صريحة، وأقول ما أريد دون مواربة".
الأسلوب واللغة وردود الأفعال
"أتفاعل مع اللغة كصاحب؛ أكتب بما يصل إلى القارئ دون تعقيد مفتعل، ولا أستند إلى المعاجم الجاهزة في كتب الأدب أو القواميس بقدر ما أعتمد على إحساسي الصادق بالكلمة، أؤمن أن اللغة الحقيقية هي التي تفهم وتُحس، لا التي تستعرض، حين تصدم سادسة الفكرة في رأسي، يأتي كل ما بعدها بعفوية وانسيابية تكاد تصدمني عند القراءة: أحياناً أسأل نفسي أين ومتى تكونت هذه المعاني؟ أين كانت تخبئ كل هذه الكلمات؟ وكانها كانت تسكنني منذ البداية، تنتظر لحظة واحدة فقط لتخرج حية... تتنفس.
الفكرة تأتي أولاً وهي محملة بإيقاعها الخاص، بنبرتها، كان اللغة تسير بجانبها منذ اللحظة الأولى، لا بعدها.
أحياناً توحي الفكرة كشرارة فتتبعها الكلمات بسرعة، كأنها كانت تنتظر الإشارة، وأحياناً أخرى، تولد اللغة أولاً... جملة غامضة، أو تعبير طارئ، يجر خلفه فكرة لم تكن مكتملة بعد.
لكن في العمق، لا يمكن فصل الاثنين؛ فالفكرة بلا لغة تظل صامتة، واللغة بلا فكرة تصبح مجرد صوت".
هل يهمك أن يفهم القارئ النص كما أردت، أم تفضلين تعدد التأويلات؟
"أنا لا أكتب نصاً مفتوحاً على احتمالات لا نهائية بقدر ما أكتب نصاً موجهاً بوعي نحو القارئ، يهمني أن يصل المعنى كما أردته، لأنني حين أكتب، أستحضر القارئ في ذهني؛ أقرأ بلغته، وأختار مفرداتي على قدر ما يحتمل، ويفهم، لا أؤمن بأن الغموض فضيلة بعد ذاته، بل أؤمن بأن الوضوح الصادق هو أعلى درجات العمق، لذلك أفضل أن يفهم القارئ النص كما قصدت؛ لا أن يتيه في تأويلات قد تبعده عن جوهر الفكرة".
ما أكثر رد فعل من القراء أثر فيك؟
"كل ردود أفعال قرائي أثرت بي، لكن أكثر ما هزني حقاً هو حين اتفقوا على رد فعل واحد، وكأنهم شخص واحد، يقفون واجمين، كانوا يقولون إنهم حين يقرؤون، لا يشعرون بأنهم يقصون كتاب «العاتية»، يأخذون منه نصيحة، حكمة، أو حتى إشارة خفيفة تقود يومهم، حينها شعرت أن النص لم يعد كلمات تقرأ، بل أصبح رفيقاً يُعاش، وصوتاً يسير معهم في تفاصيل يومهم".
المرأة والهوية
هل يحمل الكتاب صوتاً نسوياً صريحاً أم أنه يتجاوز التصنيفات؟
"هو نص يتجاوز كل التصنيفات الضيقة، لا ينحاز إلى صوت بعينه، بقدر ما ينحاز إلى الإنسان في جوهره، كُتب لليصل إلى كل شرائح المجتمع، ويخاطب الوعي أينما وجد، دون أن يُقَيَّد بتصنيف أو يحاصر بهوية واحدة، أرى أن حضور المرأة في الأدب أصبح حضوراً يصنع مساحته بنفسه.
الكاتبة اليوم لا تدخل المشهد الأدبي بوصفها «صوتاً نسوياً» فقط، بل بوصفها عقلاً يكتب، وتجربة إنسانية كاملة، قادرة على إنتاج معنى يتجاوز حدود النوع والتصنيف، ولا أرى حدا حاصلاً بين الكتابة الخاصة الذاتية مع العام في نصوصي، لا أرى بينهما حدوداً فاصلة، بقدر ما أراهما امتداداً لبعضهما، ما أكتبه من ذاتي ليس معزولاً عن المجتمع، لأنني في النهاية ابنة هذا الواقع، تحمل تفاصيله في داخلي حتى وإن ظننتها شخصية، التجربة الخاصة عندي ليست معزولة، بل هي انعكاس لصوت مجتمعي يمر عبر تجربة خاصة، والعكس صحيح، فيأخذ شكله بأصل النص لذلك، كل ما يبدو ذاتياً هو في جوهره مشترك، وكل ما هو عام أعيشه بطريقتي الخاصة".
الجوكر والتغيير: هل هناك مخاوف أو خطوط حمراء واجهتك أثناء الكتابة؟
"لم أحمل في داخلي هجس التعرّي، حتى على مستوى التلميح، لذلك لم تكن هناك حاجة لخطوط حمراء، لكن خوفي الحقيقي كان مختلفاً؛ كان خوفي أن لا أكون على قدر المسؤولية، وأن أُجاور في الكتابة نصوصاً وأفكاراً عظيمة تمتد من أحاديث النبي محمد (ص)، إلى حكم الإمام علي بن أبي طالب، مروراً بروح جبران خليل جبران، وعمق جلال الدين الرومي، وصولاً إلى فلسفة أفلاطون وأرسطو.
كان الخوف كل الخوف كيف تجرأت أن أقف، معهم في سطر واحد، على صفحة تحمل عنواناً اخترته أنا: «فإن الجوكر مسؤول عن الملوك»، تغيَّرت بقد ما غيَّرتني النص نفسه، لم أخرج من «جوكر العاتية» كما دخلته؛ خرجت وأنا أكثر وعياً بثقل الكلمة، وأكثر قرباً من نفسي التي كنت أؤجل مواجهتها.
هذا العمل لم يكن مجرد كتابة، بل كان مواجهة صريحة مع الداخل، مع الأسئلة التي كنت أتجنبها، ومع الأصوات التي كانت تطالبني أن أكون صادقة حتى النهاية، بعده لم أعد أكتب بالطريقة ذاتها؛ أصبحتُ أكثر مسؤولية تجاه ما أقول، وأقل خوفاً من قوله.
صار لدي يقين أن المرأة ليست في كسر الحدود فقط، بل في تحمل تبعات ما تكشفه، وتعلمت أن النص الحقيقي لا يُنهيك، بل يعيد تشكيلك... لتبدك لأكثر وضوحاً، حتى وإن كنت أكثر انشكافاً، باختصار، «جوكر العاتية» لم يكن إنجازاً بقدر ما كان تحولاً الجوكر ليس تكراراً - بل امتداد... روح واحدة تتجلى بوجوه مختلفة، تكتب نفسها في كل مرة بصورة أعمق، ومع كل نص يكبر الوعي وتتسع التجربة، ويزداد الصوت صفاءً... وصادقاً... هو مشروع لا يعيد ما قيل، بل يعيد اكتشافه من زاوية جديدة في كل مرة".
ما الذي يشغلك الآن فكرياً وأدبياً؟
"يشغلني ذلك السؤال الذي لا يهدأ: كيف يمكن للكلمة أن تكون صادقة دون أن تكون قاسية، وعميقة دون أن تفقد بساطتها؟ أفكر كثيراً في مسؤولية الكتابة، ليس بوصفها تعبيراً فقط، بل أثراً يبقى في روح القارئ أدبياً، أنا منشغلة أكثر بالاقتراب من الإنسان... من صوته الداخلي الذي لا يطال من تناقضاته، من تلك المساحات التي نخفيها حتى عن أنفسنا. لم أعد أبحث عن نص جميل بقدر ما أبحث عن نص حقيقي... نص يشبه الحياة كما هي، لا كما نحب أن نراها".
كيف ترين تطور تجربتك في الأعمال القادمة؟
"أراها تتجه نحو مزيد من النضج، لا في الفكرة فقط، بل في الصمت الذي يسبقها، لم تعد الكتابة عندي مجرد اندفاع شعوري، بل أصبحت اختياراً أكثر وعياً لما يُقال وما يُترك، أشعر أنني سأذهب إلى مناطق أعمق، أقل ضجيجاً وأكثر صدقاً، حيث لا أكتب لأثبت شيئاً، بل لأفهم أكثر، في الأعمال القادمة، لن أتخلى عن روحي، لكنني سأعيد اكتشافها بطريقة مختلفة؛ ربما أقل مباشرة، وأكثر قدرة على ملامسة ما لا يُرى، التجربة لا تكبر بتعدد النصوص بل بقدرتها على أن تغيّرني أولاً... وهذا ما أبحث عنه الآن.
فأنا لا أقرأ لأحدد، بل أقرأ لما يشدني... لما يلمع في العنوان ويهمس في الفحوى، ويترك في داخلي فضول الاكتشاف، لا أقف عند اسم كاتب بقدر ما أنجذب إلى ما يحرك شيئاً في روحي، وكأنني أبحث في كل نص عن جزء يشبهني أو يكملني، ولا أتوقف عند كتاب بعينه، بل عند أثره، في الداخلي أقرأ ما يلامسني، ما يوقظ فكرة أو يربك يقيناً؛ قد يكون نصاً عابراً، أو صفحة من كتاب، لكن إن ترك فيّ أثراً... صار وكأنه آخر ما قرأت، وكان آخر ما قرأته الدبلوماسية للدكتور نديم الجابري ملحمة معلوماتية".
الوقت له ثمن
"لا ألهث خلف الوقت، ولا أقيد نفسي بمواعيد صارمة، لا أؤمن بأن الإنجاز الحقيقي يُولد من العجلة أو من سباق مع عقارب الساعة.
أفعل ما هو مطلوب مني بهدوء، بثبات، وبخطى بطيئة لكن واعية.
اكتشفت أن تلك المقولة: «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك»، ليست حقيقة مطلقة كما يرددها الجميع؛ بالنسبة لي، الوقت ليس سيفاً مسلطاً، بل مساحة تتحرك فيها كما تشاء، حين تتعامل معه بطمأنينة، يمنحك زامناً عميقاً، ويجعل كل ما تقدمه أكثر صدقاً ونضجاً.
أنا لا أبار الوقت... أنا أسير بإيقاعي الخاص، وأخيراً وقبل أن نودع هذه اللؤلؤة المكنونة للزينة بالعطر الفواح بـالهيبة... سألناها:"
ما هو عطر العاتية المفضّل؟
"إذا كان العطر هبة من الله، فأنا عاشقة لعطر زهرة الزنبق... ذلك النقاء الذي لا يُصنع، أيا إن كان من صنع البشر، فأنا أميل إلى العطر الباريسي Organza Eau de Parfum الذي صار علامة على حضوري، وعطر Organza Eau de Parfum by Givenchy... عطر يشبهني؛ هادئ في بدايته، عميق في أثره، لا يُنسى وأصبح كانه كُنيتي".
وما آخر ما شاهدت العاتية من أفلام أو مسلسلات؟
"رغم أنني لا أهوى التلفاز، إلا أن أجواء رمضان كانت تتطلب هذا المجلس الدافئ مع العائلة والأحفاد، كان مسلسلاً للفنان الرائع قصي خولي بعنوان «خمسة ورؤى» (خمسة أوراق)؛ قصة مختلفة نسجتها الدراما بروح جديدة، لكن ما كان الأجمل حقاً ليس الأحداث... بل تلك اللحظة العائلية التي تُولد من الجلسة نفسها، أنا أعشق جمع الإخوة، حيث لا يكون المشهد على الشاشة فقط، بل بين القلوب أيضاً".