نجم التقديم الرياضي.. طه أبو رغيف بين الشاشة وصناعة القرار الإعلامي
هديل جابر · 2026-10-13

أمنيته منذ البدايات لقاء حواري مع النجم الانكليزي ديفيد بيكهام
ليست كل الوجوه التي تمر على الشاشة تُحفر في ذاكرة الناس، لكن هناك أسماءً تنجح في أن تتحول إلى جزء من طقوس المشاهد وإلى ملامح ثابتة في ذاكرة الرياضة العراقية. هكذا يبدو طه أبو رغيف، اسمٌ لم يصنعه الظهور وحده، بل صنعته سنوات من الإصرار والرهان على الذات، والقدرة على أن يظل حاضراً في كل مرحلة بصورةٍ أكثر نضجاً واتساعاً.
من حلم صغير راوده في أواخر التسعينيات، إلى أحد أبرز وجوه التقديم الرياضي والإدارة الإعلامية في العراق، تتشكل الحكاية كرحلة رجل لم يكتفِ بالوقوف أمام الكاميرا، بل تعلم كيف يدير ما خلفها أيضاً. حين كان الحلم أكبر من العمر منذ عام 1999، كان الشعور واضحاً في داخله أن مكانه الطبيعي أمام الميكروفون والكاميرا. ذلك الإحساس المبكر لم يكن عابراً، وتحول إلى إصرار حقيقي تُوِّج عام 2004 بانطلاقته من إذاعة الرشيد، بعد أن اجتاز اختباراً ثقافياً فتح له باب القسم الرياضي لي أُولى خطواته مراسلاً، ثم مديعاً، قبل أن تتسع التجربة إلى شاشة العراقية حيث تنقل بين الأخبار والبرامج، حتى رسّخ اسمه كواحد من أهم مقدمي الرياضة بعد 2003.
النجومية.. حين يكون الاجتهاد هو الضوء
لا يتعامل أبو رغيف مع النجومية بوصفها لقباً جاهزاً، بل كحالة يصنعها الناس كل بطريقته، ففي رأيه، لا توجد وصفة واحدة للنجاح، لأن معايير الجمهور مختلفة. لكن ما يبقى ثابتاً هو الاجتهاد، وتقديم الأفضل، والقدرة على النهوض بعد كل تعثر. اختياره للرياضة لم يكن مهنياً فقط، بل وجدانياً أيضاً، فهو ابن هذا الشغف، ومتابع وممارس لبعض تفاصيله، لذلك جاءت لغته على الشاشة سابقة وقريبة من نبض الجمهور.
البيت.. ملاذ الهدوء
خلف صخب المباريات، وضغط البث، وسرعة الأخبار، هناك رجل يبحث عن هدوئه في البيت. العائلة بالنسبة له ليست تفصيلاً يومياً، بل مساحة استعادة للتوازن، يحرص على أن يكون لأسرته وقتها الخاص، حتى لو أغلق هاتفه بعد العاشرة مساءً، مؤمناً بأن النجاح الحقيقي لا يكتمل ما لم يجد الإنسان سلامه في منزله.
من بريق الشاشة إلى صلابة القرار
قلّة من الإعلاميين ينجحون في الانتقال من الواجهة إلى الإدارة دون أن يفقدوا بريقهم، لكن أبو رغيف استطاع أن يفعل ذلك بثبات، مستنداً إلى خلفيته الأكاديمية في إدارة الأعمال، وخبرته الطويلة في العمل الميداني، من إدارة البرامج في قناة العراقية، إلى محطة مفصلية أكثر تأثيراً وهي المساهمة في تأسيس قناة الرابعة الرياضية كأول قناة أهلية رياضية في العراق، حيث يشغل اليوم منصب المدير التنفيذي. في تجربة تؤكد أن النجومية الحقيقية لا تتوقف عند الكاميرا، بل تمتد إلى صناعة المؤسسة نفسها.
الرابعة الرياضية.. كيف تصنع القمة؟
في حديثه عن قناة الرابعة الرياضية، يوضح طه أبو رغيف أن امتلاك حقوق البث الحصري يعد عنصراً مهماً في تعزيز مكانة القناة ومنحها حضوراً أقوى لدى المشاهد، لأنه يخلق حالة تميز وتفرد في التغطية.
مشيراً إلى أن الرابعة الرياضية تمتلك حالياً حقوق بث الدوري الإيطالي، إضافة إلى حرصها على أن تكون حاضرة في مباريات المنتخب الوطني باعتبارها أولوية مع إمكانية التوسع مستقبلاً نحو أي بطولات أو دوريات أخرى يمكن الحصول على حقوقها، وكذلك نقل مباريات المنتخب بشكل مستمر.
ويؤكد أن نجاح البث الرياضي لا يرتبط بالجانب المالي فقط، بل يحتاج أيضاً إلى إدارة منظمة، وقدرات إنتاجية عالية، وتخطيط دقيق لضمان تقديم المباريات بأفضل صورة ممكنة للمجتمع.
طه أبو رغيف.. رجل صنع من الشغف شاشة ومن الرياضة هوية
المنتخب الوطني.. الحلم ممكن لكن
في قراءته لفرص المنتخب العراقي، يوازن طه أبو رغيف بين الحلم والواقعية، مؤكداً أن المنافسة في كأس العالم ليست سهلة، لكنها تبقى ممكنة لمن يحسن الاستعداد، ويعرف كيف يقتنص الفرص في اللحظات الحاسمة.
ويرى أن تقديم أفضل ما لدى المنتخب هو الأساس، مشيراً إلى أن «تحقيق الفوز في مباراة واحدة على الأقل أمام منتخبات بحجم فرنسا أو النرويج قد يفتح الباب أمام فرصة التواجد في المركز الثالث، وهو ما يمنح العراق مساحة أوسع للمنافسة».
وشدد أبو رغيف على أن أهم درس من التجارب السابقة يتمثل في عدم التفريط بنقاط مباريات الأرض، لأن الحسم المبكر يختصر الكثير من الضغط النفسي والجهد المالي، ويمنح الفريق استقراراً أكبر في مشواره.
الأعمار الصغيرة.. حيث يبدأ الغد
يرى أبو رغيف أن ملف منتخبات الفئات العمرية يحتاج إلى جهود أكبر وتنظيم أدق، يبدأ من توفير الملاعب المناسبة، واختيار المدربين الأكفاء، ووضع برامج تدريبية طويلة الأمد ترافق اللاعبين في مختلف المراحل العمرية.
ويؤكد أن بناء منتخب قوي لا يبدأ من الفريق الأول، بل من تأسيس قاعدة صحيحة للفئات العمرية تتدرج معها الأعمار بشكل مدروس، لتكون هذه القاعدة هي المنتخب الذي يمثل العراق في المستقبل.
ورغم إقراره بوجود بعض العشوائية في هذا الجانب، إلا أنه يرى أن ما يُقدَّم اليوم يبدو بفي أفضل من السابق.
المرأة الرياضية.. حضور يستحق مساحة أكبر
يبين طه أبو رغيف أن حضور المرأة في الإعلام الرياضي لا يزال دون مستوى الطموح، ليس بسبب نقص الكفاءات، بل نتيجة انحسار الاهتمام المجتمعي بالرياضة في إطار كرة القدم فقط، الأمر الذي أدى إلى تراجع مساحة كثير من الألعاب الأخرى، ومنها الرياضة النسوية. ويشير إلى أن هذا الواقع يحتاج إلى عمل مؤسساتي جاد ورؤية أوسع من الدولة والجهات الرياضية، بما يعيد التوازن إلى المشهد، ويمنح المرأة الرياضية المساحة التي تستحقها حضوراً ومشاركة وتأثيراً.
أبو رغيف.. المنتخب القوي لا تهزه البرامج.. الهش فقط يتأثر
حين تكون العائلة شريكاً في النجاح.. عن تأثير الشهرة في حياته الزوجية يتحدث بهدوء، الواثق، تفهم العائلة لطبيعة عمله جعله يتجاوز هذا التحدي بسهولة، خصوصاً أن طبيعة جمهوره الرياضي، الذي يغلب عليه الحضور الرجالي، أسهم في جعل الأمر أكثر استقراراً وأقل تعقيداً. حجيج الاستوديو.. ومنتخب لا يهتز.
لا يؤمن أبو رغيف بأن البرامج الرياضية قادرة على هز منتخب قوي، فالمنتخب الذي يتأثر بحديث برنامج أو رأي محلل، هو منتخب يعاني هشاشة ذهنية. أما الجدل، فهو في كثير من الأحيان صناعة مقصودة من بعض القنوات التي تبحث عن نسبة مشاهدة أعلى.
ما بين الحلم والذاكرة
بعد أكثر من عقدين من الحوارات والبرامج والنشرات الرياضية، ما زال في ذاكرة طه أبو رغيف حلم خاص يرافقه منذ البدايات، يتمثل في لقاء حواري مع النجم الإنجليزي ديفيد بيكهام، أحد الأسماء التي ظلت حاضرة في مخيلته الإعلامية كقيمة كروية وإنسانية يتمنى محاورتها. وعلى الصعيد المحلي، يميل قلبه الكروي إلى نادي القوة الجوية، الذي يجد فيه امتداداً لذائقته الرياضية وانتماءه لمشهد الكرة العراقية.
وجه صار جزءاً من ذاكرة الرياضة
في سيرة طه أبو رغيف، لا تبدو الحكاية مجرد نجاح إعلامي، بل رحلة رجل عرف كيف يحول شغفه إلى مؤسسة، وصوته إلى هوية، وحضوره إلى ذاكرة.
هو واحد من تلك الأسماء، التي لا تكتفي بأن تظهر، بل تترك أثراً... أثراً يشبه المباراة الكبيرة، ينتهي وقتها، لكن صداها يبقى طويلاً في الذاكرة.