مجلة السيدة الأولى. فرح حكمت... امرأة تصنع من الإدارة طريقاً للنهوض المؤسسي
هديل الشمري · 2026-11-04

بغداد - هديل الشمري
في قلب بغداد، حيث تتقاطع مسؤوليات الدولة مع تحديات العمل اليومي، برزت تجربة نسوية عراقية اختارت أن تجعل من القانون سنداً، ومن الإدارة أداةً لصناعة الإنجاز. لم تكن الطريق سهلة، ولم تصل إلى مواقع المسؤولية عبر المصادفة، بل عبر سنوات طويلة من العمل والتدرج والخبرة، وهي تحمل إيماناً راسخاً بأن المرأة العراقية قادرة على القيادة وصناعة الفارق.
إنها الحقوقية والإدارية فرح حكمت، مدير عام الدائرة القانونية في وزارة التجارة، والمدير العام للشركة العامة للأسواق المركزية، التي فتحت لـ«مجلة السيدة الأولى» صفحات من تجربتها المهنية، متحدثة عن مسيرتها في العمل الحكومي، وإعادة إحياء الأسواق المركزية، وتمكين المرأة، ومواجهة حملات التشهير، وصولاً إلى فلسفتها في القيادة والعطاء.
من مقاعد القانون إلى مواقع القرار
لم يكن وصول فرح حكمت إلى منصب المدير العام قبل أربعة أعوام محطة عابرة في مسيرتها، بل جاء نتيجة رحلة مهنية بدأت داخل وزارة التجارة عام 2007، وتدرجت خلالها في مواقع وظيفية متعددة، من مسؤول شعبة إلى مدير قسم، ثم معاون مدير عام، وصولاً إلى تولّي مسؤولية الإدارة العامة. وترى أن تخصصها القانوني لم يكن بعيداً عن تجربتها الإدارية، بل شكل أساساً مهماً في طريقة إدارتها للعمل.
وتوضح: "لم أبتعد يوماً عن بيتي الأول؛ فالدائرة القانونية التي أديرها اليوم هي العصب الحقيقي للعمل المؤسسي في الوزارة. شهادتي واختصاصي كحقوقية هما الأساس الذي بنيت عليه رؤيتي الإدارية. فلا تضارب بين القانون والإدارة، بل هما وجهان لعملة واحدة اسمها النجاح المؤسسي والتقدير المستدام".
دوراً يتجاوز مفهوم السوق التجاري إلى توفير قدر من الأمان الاقتصادي. لكن مرحلة ما بعد عام 2003 تركت خلفها أزمات مالية وإدارية متراكمة، حتى صنفت الشركة رسمياً شركة خاسرة حتى عام 2017. ومن هنا بدأت محاولة استعادة دورها من خلال رؤية جديدة تقوم على إشراك القطاع الخاص وإطلاق شراكات استثمارية قادرة على إعادة الحياة إلى هذه المؤسسة.
من بنايات مهجورة إلى (هايبر ماركت)
كانت ثمرة هذه الرؤية إطلاق مشروع «التعاون هايبر ماركت»، الذي مثل محاولة عملية لإعادة تشغيل بنايات الأسواق المركزية والاستفادة منها، فضلاً عن توفير فرص عمل للشباب وتعزيز حضور الدولة في السوق بما يسهم في الحد من الاحتكار والمساعدة على استقرار الأسعار.
وتؤمن: "نهضة الدول المتقدمة تقوم على شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، والعراق يمتلك شركات محلية رائدة تحتاج فقط إلى إزالة العقبات وتوفير的支持 لتصنيع الفارق".
الأسواق المركزية... ذاكرة عراقية تستعيد عافيتها
كان توليها إدارة الشركة العامة للأسواق المركزية أحد أبرز الاختبارات في تجربتها المهنية، ولا سيما أن هذه المؤسسة تحمل مكانة خاصة في الذاكرة العراقية. ففي سنوات الحصار الاقتصادي خلال تسعينيات القرن الماضي، كانت الأسواق المركزية، أو «الأورزدي»، حاضرة في حياة العائلة العراقية. تؤمن السلع والمستلزمات الأساسية بأسعار مدعومة، وتؤدي دوراً ربحياً تسهم في حماية المستهلك، إلى جانب تطوير عدد من الملفات الاقتصادية والتجارية.
وتضيف: "أصبحت الوزارة منافساً غير ربحي يحمي المستهلك عبر سلسلة الهايبر ماركت، وأصدرنا الهيكل السلعي ودليل الصادرات كمرجع رسمي للدولة، ووقعنا مذكرات تفاهم دولية فتحت آفاق الاقتصاد العراقي على العالم".
كما تشير إلى إطلاق «منصة التاجر الإلكتروني» عبر الدائرة القانونية، في محاولة لتنظيم التجارة الرقمية ومواكبة التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي.
تمكين المرأة... من الشعار إلى الممارسة
بالنسبة إلى فرح حكمت، لا يُقاس تمكين المرأة بعدد المؤتمرات والشعار، وإنما بموقعها الحقيقي في دوائر المسؤولية وقدرتها على صناعة القرار. وفي الشركة العامة للأسواق المركزية، تشغل النساء مواقع متقدمة، من معاون مدير عام للشؤون التجارية إلى إدارة أقسام مالية وفنية وقانونية وتسويقية ولا تتوقف رؤيتها عند حدود المؤسسة الحكومية، بل تمتد إلى دعم النساء في القطاع الخاص، من خلال تنظيم البازارات ورعاية رائدات الأعمال ومساعدتهاتهن على إيجاد مصادر دخل مستدام.
وتستشهد بتجربة معرض بغداد الدولي الأخير، مشيرة إلى أن مشاركة المرأة بلغت نحو 70%، سواء من خلال صاحبات الشركات أم الكفاءات العاملة. وتؤكد: "المرأة اليوم هي سر استدامة النجاح ووقود الإنتاج الحقيقي".
عندما يتحول النجاح إلى هدف للتشهير
في مواقع النجاح التناجحة، خصوصاً النساء اللواتي يعملن في مواقع قيادية، وتتحدث حكمت بصراحة عن تعرضها لمحاولات إساءة وتشهير عبر منصات التواصل الاجتماعي، مفرقة بين النقد المهني الذي تراه حقاً مشروعاً، وبين الإساءة التي تستهدف السمعة الشخصية.
وتقول: "تعرضت لمحاولات إساءة وتشهير عبر منصات التواصل الاجتماعي، النقد المهني المشروع مرحب به دائماً. أما الطعن في السمعة ونشر الأكاذيب فهو سلوك مرفوض اخلاقياً وتجرمه القوانين العراقية والقضاء، هو الفيصل دائماً، لكن على أرض الواقع، يبقى الإنجاز الحقيقي والعمل النزيه هما الرد الأقوى والأكثر بقاءً".
العطاء... المعيار الحقيقي للمنصب
حين تطلب من فرح حكمت كلمة تختصر رحلتها المهنية، تختار «العطاء». وفي الشركة العامة للأسواق المركزية، لا تقاس قيمة المسؤول بحجم مكتبه أو درجته الوظيفية، وإنما بما يتركه وراءه من أثر. وتختصر رؤيتها بالقول: "الكرسي لا يمنح القيمة، بل حجم ما تتركه فيه من عطاء؛ فالألقاب تزول والهياكل تتلاشى، ولا يبقى حياً في ذاكرة المؤسسات إلا أثر صادق غير مساراً أو خدم إنساناً، ربما تختصر هذه العبارة جانباً مهماً من تجربتها: فالمناصب، مهما علت، تبقى مؤقتة، بينما يتحول الإنجاز الحقيقي جزءاً من ذاكرة المكان".
خلف صرامة الإدارة... امرأة تحب البيت
بعيداً عن الاجتماعات والملفات القانونية وقرارات الإدارة، تستعيد فرح حكمت توازنها داخل بيتها وبين عائلتها وأصدقائها. هناك نجد مساحة للراحة واستعادة الطاقة، وتكشف جانباً مختلفاً من شخصيتها، بعيداً عن صرامة المنصب؛ فهي تحب الطهي وتعد نفسها طباخة جيدة جداً يسمح لها الوقت بذلك.
إنه مساحة إنسانية ضرورية في حياة امرأة تحمل مسؤوليات مهنية كبيرة، وتدرك أن النجاح في العمل لا يعني التخلي عن الحياة الخاصة، بل إيجاد توازن يحفظ للإنسان قدرته على الاستمرار.
الأم... السيدة الأولى في حياتها
لكن خلف هذه الرحلة الطويلة من المسؤولية والصمود، تقف شخصية أخرى ترى فرح حكمت أنها صاحبة الفضل الأكبر في تكوينها: والدتها.
وعندما تتحدث عنها، تتغير نبرة الحديث، لتتحول الأم من شخصية عائلية إلى مدرسة كاملة للقيم والقوة. وتقول: "أمي هي السيدة الأولى في حياتي، والمدرسة التي تشربت منها قيمي الأولى. من رضاها وبركة دعاء والدي، استمددت القوة لأقف بوجه كل العواصف؛ ومن أثرها العميق تعلمت كيف أكون امرأة لا تُكسر".

وهكذا تبدو تجربة فرح حكمت أبعد من سيرة موظفة وصلت إلى منصب إداري متقدم: إنها حكاية امرأة صنعت أدواتها من المعرفة والخبرة، وجعلت القانون سنداً، والإدارة مسؤولية، والإنجاز معياراً، والعطاء غاية. وفي مدينة تتغير كل يوم، تبقى قيمة أي تجربة إدارية في قدرتها على ترك أثر يتجاوز حدود المنصب. وربما هنا تكمن خلاصة تجربتها: أن المنصب ينتهي، أما ما يُنجز للناس وللمؤسسة فيبقى.