قصة نجاح: رئيسة هيئة خدمات بغداد.. آيات المظفر في رحلةٍ من الألم إلى الأمل
نور الدين العلقي · 2026-09-19
في زمن لم تعد فيه المناصب وحدها كافية لصناعة التأثير، تبرز بعض الشخصيات النسوية بوصفها نماذج مختلفة؛ شخصيات لم تصل إلى الواجهة بالضجيج، بل بالهدوء الواثق، والعمل المتراكم، والإيمان بأن النجاح الحقيقي يبدأ من الداخل قبل أن يراه الناس في الخارج.
ومن بين هذه النماذج، تتقدم السيدة آيات المظفر لتقدم صورة المرأة العراقية التي جمعت بين الوعي الأكاديمي، والحضور السياسي، والاشتباك الخدمي المباشر مع هموم المجتمع، لتكتب لنفسها مسيرة عنوانها الإصرار، وتمنح العاصمة بغداد جزءاً كبيراً من مشروعها العملي والإنساني.
هي ليست امرأة تقف عند حدود المنصب، بل عند حدود ما يمكن أن ينجزه المنصب حين يكون في يد شخصية تعرف جيداً معنى المسؤولية. فقد عملت مع الدكتور حيدر العبادي رئيس الوزراء السابق واستفادت من خبرته الأكاديمية والسياسية وشاركت معه في الانتخابات مما أعطى لمسيرتها قوة مضافة.
جذور رياضية.. ووجهة نحو السياسة
ولدت آيات المظفر في بغداد عام 1983 وسط عائلة رياضية معروفة في العراق، عائلة ارتبط اسمها بالإنجازات وصناعة الفرح في الملاعب، يتقدمها والدها الراحل الكابتن مظفر نوري إلى جانب أعمامها وعمتها البطلة إيمان نوري.
وفي بيت اعتاد لغة التنافس والإصرار والانضباط، تشكلت ملامح شخصية ابنة اعتادت أن تحمل تلك القيم معها، لكن باتجاه مختلف؛ فقبل أن تدخل الميدان الرياضي، وجدت نفسها أكثر ميلاً إلى ميدان العلوم السياسية، حيث التحليل، وفهم الدولة، وقراءة المجتمع، وصناعة القرار.
هذا التحول لم يكن مجرد انتقال مهني، بل كان امتداداً لقيم تعلمتها من البيئة الرياضية نفسها، كالانضباط، والمرونة، والروح الرياضية، والعمل من أجل المصلحة العامة.
وتؤمن آيات المظفر أن السياسي الناجح يشبه الرياضي في سعيه إلى الفوز، غير أن الفوز هنا لا يكون شخصياً، بل فوراً ينعكس على المجتمع ويخدم الناس.
الأكاديمية التي قرأت الواقع بعين الباحثة
أنهت آيات المظفر دراستها في كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد، ثم واصلت رحلتها العلمية حتى الدراسات العليا، واضعة نصب عينيها أن العلم لا يكتمل إلا إذا لامس الواقع، ولذلك لم تكن دراستها مجرد تحصيل أكاديمي، بل محاولة لفهم ما يدور حولها من تحولات سياسية وإقليمية.
وفي أطروحتها البحثية، سلطت الضوء على نظرية «مركب الأمن الإقليمي» للمفكر باري بوزان، مطبقة إياها على منطقة الخليج العربي من خلال قراءة دور العراق كوسيط ضامن بين إيران والمملكة العربية السعودية.
هي ترى أن كثيراً من النظريات المهمة لم تُمنح ما تستحقه من تسليط الضوء، وأن قيمة الباحث الحقيقية تكمن في قدرته على إيجاد المساحة التي تلتقي فيها النظرية مع التطبيق. ومن هنا كانت شخصيتها الأكاديمية أقرب إلى عقلية الباحثة التي لا تكتفي بالتنظير، بل تبحث دائماً عن التطبقي الفكرة في الواقع.
آيات صنعت آيات.. كاريزما الفطرة وصقل التجربة
لا تحب آيات المظفر الحديث عن شخصيات نسوية حاولت تقليدها، لأنها تؤمن أن النسخ لا يصنع حضوراً.
تقول بثقة: «آيات صنعت آيات.. فهي بنت شخصيتها بنفسها، مستفيدة من تجارب عديدة، ومتابعة لنماذج سياسية وإعلامية متعددة، لكنها لم تسمح لنفسها أن تكون نسخة مكررة من أحد». وترى أن الكاريزما ليست كلها صناعة، بل إن جزءاً منها يولد مع الإنسان منذ سنواته الأولى.
فمنذ الطفولة كانت توصف بأنها صاحبة شخصية قيادية داخل البيت، ثم كانت الطالبة القادرة في المدرسة، والقائدة الفريقي، وصاحبة القدرة على إدارة من حولها، ومع الوقت وجاءت الخبرة والعمل والاحتكاك المباشر بالجمهور، لتضيف إلى تلك الفطرة نضجاً ومهارة وتجعل حضورها الإعلامي والسياسي أكثر رسوخاً.
من الجامعة إلى خدمة الناس.. حين تتحول المعرفة إلى مسؤولية
لم تتوقف آيات المظفر عند حدود التدريس والعمل الأكاديمي، بل انتقلت إلى العمل الإداري والخدمي، وشغلت عدة مواقع كان آخرها رئيسة هيئة خدمات بغداد. وفي هذا الموقع، بدا واضحاً أن العلوم السياسية لم تكن بعيدة عن عملها. فكما تقول، إن الهيئة تجمع بين الدور التشريعي والرقابي والإشرافي، وهو ما يحتاج إلى شبكة علاقات سياسية وإدارية متينة لتسهيل الإنجاز وتجاوز البيروقراطية.
هذا الخليط بين الفهم السياسي والإدارة الميدانية منح عملها بحسب وصفها نتائج إيجابية، وجعلها أقرب إلى نبض الشارع. فهي لا ترى الخدمة مجرد معاملات تُوقّع، بل مسؤولية تستوجب المتابعة الشخصية والجولات الميدانية، والاستماع المباشر إلى شكاوى المواطنين.
حتى إن المواطن - كما تروي - بات يربط صورتها بأي مساحة خدمة، لدرجة أن أحد سائقي سيارات الأجرة تعرّف عليها أيام جائحة كورونا رغم الكمامة، وطلب منها حاجة خدمية لأنه اعتاد رؤيتها في الإعلام.
«ذلك يعني أن صورتها في الوعي الشعبي لم تعد صورة مسؤولة تتحدث فقط، بل مسؤولة يُنتظر منها الفعل.»
المجمعات السكنية.. الصندوق الأسود
من بين الملفات التي توقفت عندها طويلاً، برز ملف المجمعات السكنية العملاقة في بغداد، الذي تصفه آيات المظفر بـ «الصندوق الأسود».
تقول: إن التسهيلات الكبيرة التي تُمنح للمستثمرين من أراضٍ وخدمات وامتيازات لا تنعكس حتى الآن على أسعار تناسب المواطن البسيط أو أصحاب الدخل المحدود، الذين بات امتلاك شقة صغيرة في تلك المجمعات حلماً بعيد المنال... لذا أطالب ببرامج دقيقة لأساسيات هذا الملف، بما يضمن أن تكون المشاريع السكنية أداة لحل أزمة السكن لا باباً جديداً لتعميق الفجوة الاجتماعية.
بغداد.. عاصمة حديثة بذاكرة أصيلة
لا تنظر آيات المظفر إلى بغداد كمدينة تحتاج خدمات فقط، بل العاصمة يجب أن تستعيد حضورها الحضاري والسياسي. هي تريدها مدينة عصريّة قابلة على استقطاب المجتمع الدولي والمؤسسات الإقليمية، لكنها في الوقت نفسه متمسكة بالحفاظ على الطابع بغدادي الأصيل في العمارة والتخطيط.
وفي مقدمة أولوياتها الخدمية يأتي مشروع معالجة تكس النفايات أمام المنازل، وهو الملف الذي تعتبره تشويهاً لصورة العاصمة وخطيراً صحياً لا يمكن السكوت عنه.
كما تؤمن أن نقص التخصيصات المالية والروتين الإداري يشكلان العقبة الأكبر، إلا أنها تراهن على الأتمتة والحوكمة الإلكترونية وتعظيم الموارد بوصفها أدوات قادرة على اختصار الوقت وتحقيق نتائج ملموسة.
المرأة وصناعة القرار.. بين الحضور والاستقلالية
وعندما تتحدث عن المرأة العراقية، فإنها تؤكد أنها تمتلك القدرة على التأثير، لكنها لم تُمنح حتى الآن المساحة الكافية لصناعة القرار الحقيقي.
وترى أن بعض النساء يصلن إلى مواقع المسؤولية لا ليصنعن القرار، بل لينفذن ما يُملى عليهن، بينما المرأة القادرة هي التي تفرض قناعتها أو تنسحب إذا شعرت أنها تحولت إلى أداة بيد الآخرين. وفي هذا المعنى، لا تبدو القضية بالنسبة لها مظلومية بقدر ما هي اختبار قوة شخصية.
أُمٌّ لثلاثة أبناء.. وتحرص خصوصية بيتها
بعيداً عن السياسة والعمل، تعيش آيات المظفر دورها كأم لثلاثة أبناء، تحرص على أن يعيشوا طفولتهم وحياتهم بعيداً عن صخب السياسة.
ورغم أن ابنتها الكبرى بدأت تُظهر بعض الميول السياسية، إلا أنها تؤمن بأن لكل عمر خصوصيته، وأن على الأبناء أن ينمو في مساحة أكثر هدوءاً.
أما هي، فتكفيها استراحة قصيرة مع فنجان قهوة أو كوب شاي لتلتقط أنفاسها وتستعيد توازنها وسط ضغط المسؤوليات.
من الألم إلى الأمل.. عنوان المسيرة
حين تُسأل عن العنوان الذي يمكن أن تختصر به مسيرتها، تتردد، لأن الطموح بالنسبة لها ما زال مفتوحاً ولم تصل إلى المحطة الأخيرة بعد. لكنها تعود لتقول إن أقرب وصف لما عاشته هو: رحلة من الألم إلى الأمل.
فقد كان فقدان والدها عام 2007 لحظة الانكسار الأكبر في حياتها، غير أن تلك الخسارة تحولت مع الوقت إلى دافع للاستمرار، وإعادة بناء الذات، ومواصلة الدراسة، وتكوين الأسرة، وخوض معترك السياسة والإدارة.
ومن هنا تبدو قصتها أقرب إلى حكاية نجاح امرأة لم تسمح للألم أن يوقفها، بل جعلت منه طاقة تدفعها إلى الأمام.
وفي ختام الرحلة، تترك آيات المظفر رسالتها الأوضح: (الإرادة تكسر القيود).
مقال: بغداد بين القاهرة والرياض
بقلم: عبد الزهرة محمد الهنداوي
أحتلت العاصمة بغداد المركز الثاني عربياً بعد القاهرة بعدد سكانها الذي سيتخطى قريباً حاجز العشرة ملايين نسمة؛ بل ربما تجاوزت هذا الحاجز على اعتبار أن الأرقام التي نتحدث عنها تعود لنتائج التعداد السكاني لعام 2024، وعندما نقول ليلاً.. فمعنى ذلك أن سكان العاصمة يعبر الاثني عشر مليونا خلال النهار، من الذين يأتون إليها من المحافظات الأخرى لجميع أغراض مختلفة منها الدراسة، العمل، العلاج، السياحة، زيارة الأقارب... إلخ.
ورغم هذه الملايين فما زالت الفجوة السكانية بين بغداد والقاهرة واسعة؛ فهناك نحو 24 مليون نسمة يقطنون العاصمة المصرية، وهناك فارق بقدر مليوني نسمة بين بغداد وأقرب منافساتها من العواصم، وهي الرياض بواقع 8 ملايين نسمة.
وهنا لست بصدد إجراء مقارنة أو مقاربة في عدد السكان، بين العواصم العربية الأعلى سكاناً، ولكن أردت القول ابتداء: أن يطلع على مصائب الناس تهون عليه مصائبه، فكان الله في عون القاهرة التي ترزح تحت أكبر كتلة سكانية، بين زميلاتها من العواصم العربية، وأعان الله بغداد أيضاً التي يبدو أنها تجد السير سريعا للتدخل في منافسة مع القاهرة!!
أنما أيضاً أحاول من خلال هذه الأسطر أن أسلط قليلاً من الضوء، على التحديات والتحولات الديموغرافية التي يشهدها العراق، انطلاقاً من العاصمة التي تشكل نسبة 21 % من مجموع السكان.
هذه التحولات الديموغرافية المتسارعة في العراق جعلت من التحديات السكانية أحد أبرز القضايا المؤثرة في مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويأتي في مقدمة هذه التحديات ارتفاع معدلات النمو السكاني الذي يفرض ضغطاً متزايداً على الخدمات العامة والبنية التحتية وسوق العمل، في ظل محدودية الموارد والحاجة إلى تحقيق توازن بين الزيادة السكانية ومتطلبات التنمية المستدامة.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، يتميز المجتمع العراقي بتركيبة عمرية شابة تمثل في الوقت نفسه فرصة تنموية كبيرة وتحدياً اقتصادياً واجتماعياً، إذ يتطلب استيعاب هذه الطاقات توفير فرص العمل وتطوير النظام التعليمي والتدريبي بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل، ويقترن ذلك بتمسجيل معدلات بطالة ليست قليلة على الرغم من الانخفاض النسبي لهذه المعدلات، في ظل ضعف التنوع الاقتصادي، والاعتماد الكبير على القطاع العام في التشغيل.
ولا يمكن لنا ونحن نتحدث حجم التحديات الديموغرافية إلا أن نشير إلى الهجرة الداخلية والتوسع الحضري غير المنظم بوصفهما من الظواهر المؤثرة في توزيع السكان، حيث أدى تركز السكان في المدن إلى الضغط على الخدمات وظهور اختلالات تنموية بين المناطق الحضرية والريفية، فضلاً عن استمرار تحديات الفقر والتفاوت الاجتماعي.
ولعل الحصة الأكبر لهذه الهجرة كانت للعاصمة بغداد، ففيها نشأ أكبر تكتل للمجمعات السكن العشوائي كما جرى تقطيع أوصال مساكنها بين ساكنيها، فتجد ثلاث أو أربععوائل تسكن في بيت كان واحداً، ولكن جرى تقسيمها إلى مشتملات خمسينية لكي يستوعب أفراد العوائل التي تكاثرت ومن ثم انشطرت!!
وهنا لابد من وضع السياسات المناسبة لمواجهة هذه التحديات من خلال السياسات السكانية وخطط التنمية، وبذل المزيد من الجهود في هذا الإطار، وأن نجاح هذه الجهود يتطلب رؤية شاملة تستثمر الموارد البشرية وتعمق التوازن بين النمو السكاني والتنمية الاقتصادية، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وتحقيق التنمية بجميع أبعادها وصولاً إلى تحويل الزخم السكاني إلى رافع فعال للمحركات التنموية.
