قصة الغلاف: نساء يصنعن المستقبل من قلب التكنولوجيا
محمد سمير · 2026-10-31

من قلب بغداد، حيث تنبض الحياة اليومية بإيقاعها الخاص، تقف شركة «كي كارد» شاهدة على تحول غير مسبوق في المشهد المالي العراقي. تأسست عام 2007 عبر شراكة استراتيجية بين القطاعين العام والخاص، لتصبح اليوم أكبر شركة تنشأ في البلاد. انطلقت برؤية طموحة؛ أحدثت ثورة في المشهد المالي العراقي وعالجت الاعتماد المفرط على المعاملات النقدية، فتحولت من مجرد بطاقة صرف إلى منظومة متكاملة تعيد تعريف مفهوم الخدمات المالية. لم تكتف «كي كارد» بكونها بطاقة خصم وطنية، بل تجاوزت ذلك لتحدث نقلة نوعية في حياة الملايين. فمن خلال تطبيقها المبتكر «سوبر كي» - الذي تم إطلاقه بالتعاون مع «أنت إنترناشيونال» - بات بإمكان المواطن أن يطلب سيارة أجرة، ويتسوق لاحتياجات منزله، ويشتري الذهب، ويحول الأموال، ويدفع الفواتير، ويشتري تذاكر الطيران، كل ذلك من داخل التطبيق نفسه. ومع أكثر من 16 مليون مواطن منضو تحت مظلة خدماتها، و5 ملايين عملية تحميل للتطبيق، باتت «كي كارد» ليست مجرد شركة، بل بنية تحتية شاملة تعيد تشكيل حياة العراقيين.
لكن الرقم الأكثر دلالة في هذه الرحلة هو أكثر من 800 امرأة تعمل اليوم في صفوف الشركة، ليس في أدوار هامشية أو تقليدية، بل في مناصب قيادية تكنولوجية وسيبرانية، بالإضافة لإدارة المنتجات، المبيعات، والعمليات المصرفية. إنه رقم يحمل في طياته رسالة واضحة: مستقبل العراق الرقمي يصنع بأياد نسائية، وهؤلاء السيدات الأربع - كل في موقعها - خير شاهد على ذلك.
مؤسس كي السيد بهاء عبد الحسين: المرأة جزء من مسيرة التحول والنمو
في كي كارد لا تبدو التكنولوجيا مجرد شاشات وأنظمة وبرمجيات، بل لغة يومية يتقنونها آلاف العاملين بروح الفريق الواحد. وبين المكاتب وغرف التطوير ومراكز الاختبار والإدارات القانونية والموارد البشرية والمبيعات، يبرز حضور المرأة العراقية الزهرة وفواحة بوصفه أحد أهم ملامح هذه التجربة. إنه حضور لا يقوم على الشعارات، بل على الإنجاز. مئات النساء يعملن في مواقع تقنية وإدارية وقيادية وميدانية، يقدمن خدماتهن بسلامة وانسجام، ويؤدين أدوارهن بأناقة مهنية، واحترام متبادل، والتزام واضح بمعايير الجودة والابتكار. هنا تحول بيئة العمل إلى مساحة تمنح الثقة، يضرع فيها عطر العطاء والجمال وتفتح أبواب التطور، وتجعل النجاح نتيجة طبيعية.
ومن خلال سلسلة من اللقاءات مع عدد من القيادات النسائية في الشركة، تنكشف صورة للسيدة الأولى وللتابعين والقراء، مؤسسة نموذجاً حديثاً في الإدارة والعمل، حيث تتكامل الخبرات، وتتلاقى الطموحات، وتصبح المرأة شريكاً أساسياً في صناعة المستقبل الرقمي للعراق.
أناقة وجمال ودقة في العمل: 800 امرأة سبب نجاح شركة كي
> «أكثر من 800 امرأة... قوة تقود التحول الرقمي»
>

إرادة حملت معها من لبنان شغفها بالتميز لتجد في بغداد بيئة جديدة وعائلة كبيرة. تقول بكل فخر: «هذه سنتي الثالثة في العراق، وتعلمت الكثير، وكي كارد أصبحت بالنسبة لي مثل العائلة الكبيرة». بالنسبة لأمل، لم يكن توظيف أكثر من 800 امرأة مجرد مبادرة عابرة أو حصة مؤقتة. «كان الأمر أشبه بالاستثمار» كما تصفه، «أنت تستثمر في هذه المرأة وتطورها حتى تصبح قادرة على تولي مناصب قيادية داخل الشركة، تماماً كما يتولى الرجال المناصب القيادية».
واليوم، تؤكد أمل أن المرأة في «كي كارد» تستطيع أن تتولى مناصب قيادية في التكنولوجيا، والأمن السيبراني، والموارد البشرية، والمنتجات، وتطوير المنتجات، بل وتعمل في الميدان والمبيعات. وتضيف: «لم نحدد دور المرأة فقط بأنها إدارية أو تعمل داخل المكتب». وتضيف: «نحن نستثمر في المرأة من خلال التدريبات التي نقدمها لها، ونطور دورها داخل كي كارد، ونجعلها تنخرط أكثر في الميدان، وتكون أكثر حضوراً في مجال التكنولوجيا». وتكشف أمل أن طموح الشركة لا يقف عند حدود البطاقة كوسيلة لتحويل الراتب، بل يسعى لأن يكون «منظومة متكاملة» تغير طريقة تفكر المواطن العراقي، وتنقله من مجتمع نقدي إلى مجتمع رقمي متكامل رسالتها لكل سيدة عراقية: «المرأة والتحول الرقمي ليسا مجالين منفصلين. نحن اليوم نعيش في عالم يمنح المرأة والتكنولوجيا فرصاً كبيرة، من خلال الأدوات والتدريب والثقة، حتى نشارك جميعاً في بناء المستقبل العراقي».

— أمل علي عيسى | مديرة الموارد البشرية
أيه أزهر.. حين تكون الجودة خط الدفاع الأخير
أيه أزهر، مديرة اختبارات قبول المستخدم (UAT Manager)، تجسد في موقعها الدور الحيوي الذي تلعبة المرأة في صميم العمل التقني. فريقها هو الحلقة الأخيرة قبل إطلاق أي منتج أو خدمة إلى الزبون. «نحن نتقمص دور المستخدم النهائي، ونختبر المنتج من جميع الجوانب، لنتأكد من جاهزيته وجودته قبل وصوله إلى العميل. باختصار، نحن خط الدفاع الأخير لضمان جودة الخدمة». تؤمن أيه بأن المرونة هي مفتاح التميز. «المرونة تعني أن الشركة تقدر ظروف الموظف الشخصية، وتحفظ حقوقه من حيث الإجازات، وإجازات الأمومة، والالتزامات العائلية. هذا الاهتمام يخلق لدى الموظف شعوراً بالانتماء، والولاء للمؤسسة». وتضيف: «ما يصنع الفارق هو خلق الإحساس بالمسؤولية، وليس الضغط. عندما يشعر الموظف بالتقدير، فإنه يقدم أكثر بإرادة». وتشير أيه إلى أن عمل فريقها لا يتوقف عند الخدمات الجديدة بل يمتد ليشمل إعادة الخدمات القائمة عند رصد أي مؤشرات تستدعي ذلك. «نحن نفرتم دائماً أن المستخدم لا يمتلك أي خبرة تقنية، لذلك نححرص على أن تكون الخدمة واضحة وسلسة، وأن يصل إلى هدفه بأقل عدد ممكن من الخطوات».

— أيه أزهر | مديرة اختبارات قبول المستخدم (UAT)
المبيعات... شراكة مع نجاح المشاريع
فاطمة الزهراء احمد، مديرة مبيعات أقسام التسهيلات الخاصة بمشاريع التجميل، تمثل نموذجاً للمرأة التي ترى الفرصة حيث يراها الآخرون تحدياً. تقول: «لاحظنا أن الكثير من الأشخاص يرغبون في إجراء خدمات تجميلية معينة، لكن قد لا تكون لديهم القدرة المالية على دفع التكلفة كاملة دفعة واحدة، لذلك جاءت فكرة التسهيلات والأقساط». وتضيف: «ساعدنا أصحاب المشاريع على توسيع قاعدة عملائهم وزيادة انتشارهم، من خلال خدمات كي كارد، أصبح بإمكان عدد أكبر من الزبائن، سواء من مستخدمي السوبر كي أو المواطنين الذين يستلمون رواتبهم عبر كي كارد، الوصول إلى الخدمات والاستفادة منها». وتؤكد أن الثقة تبنى من خلال التواصل المستمر وسرعة المشكلات. «عندما تواجه أصحاب المشاريع أي مشكلة نَحْرص على معالجتها بأسرع وقت ممكن. هذا التواصل المستمر خلق علاقات قوية وثقة متبادلة». وتوجه رسالتها لكل امرأة تلم بحلمدء مشروعها الخاص: «لا تجعلي الخوف يوقفك. كوني جريئة وآمني بقدراتك، وابدئي بخطوات مدروسة. هناك الكثير من الحلول التي تساعدك على تطوير مشروعك».

— فاطمة الزهراء احمد | مديرة مبيعات التجميل
القانون... شريك في الابتكار
غدير أحمد كاظم، المحامية في «كي كارد»، تقدم نموذجاً فريداً للمراة القانونية في بيئة تقنية. دورها، كما تصفه، يبدأ قبل إطلاق أي خدمة جديدة. «نحن نعمل على دراسة الخدمة من الناحية القانونية، والتأكد من توافقها مع القوانين والتعليمات النافذة، حتى لا تظهر لاحقاً أي إشكالات قانونية».
وتواجه غدير تحدياً قريباً: التوافق بين الابتكار والتشريعات. «بعض القوانين الحالية لا تزال بحاجة إلى تطوير لمواكبة التطور التكنولوجي. أحياناً عند عرض قضية تتعلق بالدفع الإلكتروني، يحتاج الأمر إلى شرح آلية العمل والتقنية المستخدمة حتى تتضح الصورة القانونية». لكنها لا ترى القانون عائقاً، بل «إطاراً يساعد على تقديم خدمات آمنة ومنظمة».
وتلفت غدير الانتباه إلى مفهوم خاطئ شائع: «الكثير من المستخدمين لا يقرؤون السياسات والشروط قبل الموافقة عليها. من المهم جداً أن يطلع الشخص على أي اتفاق أو سياسة قبل الموافقة، لأن هذه الأمور توضح حقوقه وواجباته».
وتختتم برسالة متفائلة: «أنا متفائلة جداً بالمستقبل. أتقد أن العراق خلال السنوات الخمس المقبلة سيكون مختلفاً بشكل كبير، وسيشهد تطوراً واسعاً في الخدمات الإلكتروني

— غدير أحمد | محامية الشركة
تثبت «كي كارد» أن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المستخدمين أو حجم المستحيل. إنها ليست مجرد قصة نجاح مؤسسي، بل ملحمة وطنية المعاملات فقط، بل بالقدرة على خلق بيئة تحتضن المواهب وتطلق العنان تُكتب يومياً بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة، حيث تتحول البطاقة إلى أداة للإبداع. ومع 800 امرأة يشكلن جزءاً من نسيجها، ترسم الشركة ملامح تمكين، ويتحول التطبيق إلى نافذة على حياة أكثر سهولة وكرامة، وتحول مستقبل رقمي عراقي، تصنعه أياد نسائية، وتقوده رؤية لا تعرف المرأة العراقية إلى صانعة قرار في قلب الاقتصاد الرقمي الناشئ.
