سيدة أولى «لقاء خاص مع وكيل وزارة التخطيط» هناء الأسدي المرأة العراقية تفرض وجودها وهيبتها بالقلم والقرار
هديل الشمري · 2026-09-19
لم تكن رحلة الدكتورة هناء إسماعيل إبراهيم الأسدي مجرد انتقال وظيفي تقليدي بين منصب وآخر، بل كانت مسيرة طويلة من التفوق الدراسي، والرهان المستمر على النجاح وخلق الذات القوية المتمكنة. وخوض ملفات قانونية شائكة، وصولاً إلى واحدة من أكثر المواقع الإدارية حساسية في الدولة العراقية. أَنْتَقَلَت هناء من الأولى على تربية الرصافة، إلى الثالثة على كلية القانون، ثم باحثة في غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، فمدير عام الدائرة القانونية في وزارة التخطيط، ووكيل وزير التخطيط الإداري.. تتحدث الأسدي هنا عن الطريق الذي لم يكن سهلاً، وعن الطموح الذي لم يتوقف، وعن المرأة حين تختار أن تكون في قلب القرار تساهم في خلقه وتحريكه بما يخدم البلد.
التفوق كان البداية.. والقيادة لم تكن وليدة المصادفة
منذ سنوات الدراسة الأولى، بدا واضحاً أن هناء الأسدي لا تنتمي إلى خانة الطالبات العاديات.
فقد كانت في الأصل طالبة بالفرع العلمي ضمن تربية المحافظات، لكن رفض والدتها ذهابها إلى المحافظات أجبرها على تغيير المسار والامتحان الخارجي في الفرع الأدبي، لتخرج رغم ذلك الأولى على تربية الرصافة.
تستعيد تلك المرحلة بلهجة العرفان:
«الظروف فرضت علي تغيير المسار، لكنني لم أسمح للظرف أن يغير النتيجة». هنا التفوق قادها إلى كلية القانون والسياسة، وهناك واصلت حضورها بين الأوائل، فتخرجت وهي الثالثة على كلية القانون، لتدخل بعدها وزارة التعليم العالي ضمن العشرة الأوائل المعينين.
ثلاث سنوات من العمل لم تبعدها عن الدراسة، فالتحقت بالماجستير في جامعة بغداد، وتخرجت بتقدير جيد جداً عالٍ، ثم أكملت مشروعها العلمي لاحقاً بالدكتوراه، قبل أن تنتقل إلى الجامعة اللبنانية الرسمية - الفرع الفرنسي لاستكمال بحثها في ملف يعد من أكثر الملفات القانونية تعقيداً: غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، هذا الملف الذي يشغل السياسة وعلمناء الاقتصاد.
(كنت أرى نفسي دائماً في الموقع المتقدم)
هل كان الوصول إلى موقع قيادي بهذا الحجم جزءاً من خطة مسبقة أم مجرد حصيلة طبيعية للتجربة؟
تجيب: «نعم، كنت طامحة للقيادة، أتصور كل موظف يطمح أن يرتقي، لكن بالنسبة لي كان الطموح واضحاً منذ البداية، ففكرة القيادة لم تكن مرتبطة بالمنصب بقدر ما كانت مرتبطة بطريقة العمل نفسها.
وتضيف: «حتى لو كنت مسؤولة عن شخص واحد فقط، كنت أتعامل وكان علي أن أنظم وأقود وأسيطر على سير العمل، لذلك كلما وصلت إلى مكان، كنت أنظر إلى المكان الذي بعده».
وتتابع: «بدأت مسؤولة شعبة الدراسات العليا، ثم رئيسة شعبة، وبعدها رئيسة شعبة الاستمرار، وبعد 2003 كُلِّفتُ مديراً قانونياً في التعليم العالي. يومها كان طموحي أن أكون مديراً عاماً، وبعد عودتي من الدراسات العليا صار الهدف أوضح».
بالنسبة لها، لم يكن هذا الطموح ترفاً شخصياً، تقول عن ذلك: «أعتبره طموحاً مشروعاً، لأن الإنسان ما دام يتعب ويعمل ويجتهد، فمن حقه أن يحلم بالمكان الأعلى».
القانون.. مهنة لا تعترف بالضعفاء
ورغم أن المناصب تبدو في ظاهرها ألقاباً إدارية، إلا أن العمل القانوني داخل مؤسسات الدولة يحمل وجهاً آخر أكثر قسوة وحنكة. الدكتورة هناء تتحدث عن هذا الوجه بصراحة: الاختصاص القانوني مليء بالمشاكل، في التعليم العالي مثلاً كنا نتعامل مع قضايا تزوير، لجان تحقيقية، دعاوى، وأحياناً الشخص الذي تحيلنه إلى المحكمة قد يهددك، ثم تصيف بلهجة حاسمة: «في هذا النوع من العمل إما أن تواجه وتكون قوياً، أو تترك الموضوع». ذلك يعني أن الوظيفة لم تكن مجرد إدارة أوراق، بل إدارة صدامات يومية مع ملفات حساسة وأطراف متضررة ومصالح متشابكة.
بين البيت والوزارة.. معركة التوازن الصامتة
بعيداً عن ضجيج الملفات الرسمية، كانت هناك معركة أخرى أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل صعوبة: كيف توازن امرأة بين مسؤولية الدولة ومسؤولية البيت؟
تقول: «التحديات العائلية كانت دائماً حاضرة، لأن المرأة لا تستطيع أن تنسى أن لديها بيتاً وأسرة والتزامات، لكن الدعم العائلي كان عاملاً حاسماً في استمرارها؛ زوجي كان يدعمني، لكن أخي كان الداعم الأكبر في كل مراحل حياتي، من الدراسة إلى الوظيفة إلى المناصب».
تعداد 2024: حين ترسم الأرقام وجه المستقبل
في لحظة سيادية فارقة، كسر العراق غياباً دام 27 عاماً ليعلن عن نجاح التعداد العام للسكان (نوفمبر 2024)، تحولاً بالأرقام إلى خارطة طريق لمستقبل مشرق.
ملحمة رقمية ونتائج تاريخية:
بأيادٍ عراقية وتقنيات عالمية، ودّع بلاد الرافدين الورق ليعانق الثورة الرقمية؛ حيث جابت الفرق الميدانية الوطن من شماله إلى جنوبه بأجهزة لوحية ذكية، محققة دقة غير مسبوقة بإشراف أممي.
العراق في أرقام (نتائج فبراير 2025):
45.4 مليون نسمة: نبض عراقي يمثل الثروة الحقيقية للبلاد.
سيادة وتنمية: تعداد مهني تجاوز الحسابات الضيقة ليركز على الخدمات وإعادة رسم خطط التنمية (2024-2028)، بزيادة تقنية نموذج إحصائي متطور يضع العراق في مصاف الدول الاعتمادية على البيانات الضخمة.
أخي الشهيد أبو عباس.. الظهر الذي انكسر وبقي أثره
في هذه اللحظة من الحوار، يتحول الصوت الرسمي الصلب إلى صوت أخت تستعيد غياباً موجعاً. تتحدث بصوت حزين وتطلب الدكتورة هناء أثناء التصوير أن تعرض صورة لأخيها الشهيد أبو عباس أمامها، وما إن تنظر إليها حتى تخذلها الكلمات، تغالب دموعها وتقول: «أخي كان السند الحقيقي، كان يؤمن بي أكثر مما أؤمن أنا بنفسي أحياناً». ثم تتابع بصوت متهدج: «كان دائماً يقول لي إنك تستحقين، وكان يدفعني لأن لا أتراجع، تتوقف قليلاً، ثم تستحضر اسماً آخر لا يقل حضوراً في ذاكرتها - والدتي أيضاً بطلة حياتي، هي لا تقرأ ولا تكتب، لكنها كانت مصرة أن أكون أنجح الجميع، وتستسم وهي تستعيد مشهداً من ليالي الدراسة: «كنت أنام في السادس الاعدادي، وهي تسهر وتوقظني حتى أواصل القراءة». في هذه اللحظة يتضح أن المرأة التي تدير الملفات الكبرى ما زالت تحمل في داخلها ابنة صنعتها أم بسيطة وأخ آمن بها حتى النهاية.
الانتقال إلى وزارة التخطيط.. أصعب قرار مهني
من بين كل القرارات التي اتخذتها في مسيرتها، تصف الأسدي انتقالها من وزارة التعليم العالي إلى وزارة التخطيط بأنه القرار الأصعب. «كنتُ أعرِفُنا لا أعرف ما هي وزارة التخطيط، ولا أعرف تفاصيل العمل فيها»، فكان الانتقال بالنسبة لي خروجاً من بيئة أعرفها جيداً إلى فضاء جديد كلياً.
فالقانون في التعليم العالي يعني التعامل مع الجامعات والطلبة والأساتذة، أما القانون في وزارة التخطيط فهو - كما تصفه - قانون الدولة بكل مفاصلها.
وزارة التخطيط هي مظلة العراق كله
في وزارة التخطيط توجد الموازنة الاستثمارية، وإدراج المشاريع، والتعاون الدولي، والقروض، وتصنيف الشركات، والمكاتب الاستشارية، واستحداث الجامعات، وجهاز التقييس والسيطرة النوعية، وهيئة الإحصاء.. «نحن نعمل في التخطيط تشعر أنك تتعامل مع شغل العراق كله، وليس دائرة واحدة».
لم أكن اضطررت.. كنت طموحة: حين سألناها: هل كنت مضطرة لاتخاذ هذا القرار؟ أجابت بابتسامة وثقة: لا، لم أكن مضطرة، كنت طموحة. فقد كان أمامها خياران بين وزيرين، وأن البقاء في التعليم العالي كان ممكناً، لكن الإغراء الحقيقي بالنسبة لها لم يكن الراحة بل مساحة التأثير. كنت أبحث عن التحدي الذي يصنع خطوة أكبر، فملف تمكين المرأة ليس مجرد كلام الشهادات والحضور الحقيقي، فهي ترفض النظر إلى القضية بوصفها مجرد أرقام أو نسب تمثيل وتقول: «ليس المهم أن تكون المرأة موجودة في المنصب، المهم أن تكون فاعلة». فبرأيها أن بعض النساء قد يكتفين بتسجيل حضور شكلي، بينما القيادة الحقيقية تحتاج إلى فرض رأي وحضور وقرار.. «نعم أحياناً توجد مقاومة غير معلنة للمرأة في مواقع القرار، وربما تكون بلا شعور، لكن المرأة تستطيع أن تفرض وجودها بالقلم والقرار وتوضح فكرتها بجملة لا لَبْسَ فيها، «إذا لم يُسمع صوتك شفهياً، فهناك ورقة وقلم تستطيعين أن تكتبي بهما موقفك».
وكيلة وزارة التخطيط.. المرأة القيادية لا تمثل نفسها بل تعطي صورة لجميع النساء
المرأة القيادية لا تمثل نفسها فقط
وترى الأسدي أن المرأة حين تصل إلى موقع قيادي تصبح تحت مجهر أكبر من الرجل، لأن أي إخفاق فردي يُعمم سريعاً على النساء جميعاً، «إذا تهاونتِ أو أخفقتِ، المجتمع قد يأخذ عنك صورة أن المرأة لا تصلح، لذلك المرأة القيادية لا تمثل نفسها فقط، ولهذا تتأكد أن كل امرأة تصل إلى موقع مسؤولية تحمل عبئاً مضاعفاً: عبء الإنجاز وعبء إثبات الأهلية.
مشاريع النساء الصغيرة.. دعم حكومي قيد التشكل
وعن الجانب العلمي في تمكين النساء، تكشف الأسدي عن توجهات داخل وزارة التخطيط لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تقودها النساء، بالتنسيق مع وزارة العمل.. ومن بين المقترحات المطروحة، منح نقاط مفاضلة إضافية للمشاريع التي تقودها نساء، تبسيط الإجراءات الروتينية للحصول على القروض، إنشاء مسارات أسرع للنساء الراغبات بإطلاق مشاريعهن.
وتؤكد الدكتورة الأسدي: «المرأة غالباً تكون أكثر جدية حين تبحث عن مشروع يضمن لها ولعائلتها العيش الكريم، لكن المشكلة في تعقيد الإجراءات». كما تشير إلى أن الوزارة تعمل أيضاً عبر العيادات القانونية لمساندة النساء في قضايا الإرث، والنزاعات الأسرية، وبعض الإشكاليات الاجتماعية التي تمنعهن من الاستقرار والانطلاق.
المعوقات الاجتماعية.. ما زالت أقسى من القرارات الرسمية
هنا الطامة الكبرى.. ورغم كل الخطط الحكومية، تعترف الدكتورة هناء بأن المجتمع ما زال يفرض قيوداً ثقيلة على النساء.. تذكر لنا منها رفض بعض الأزواج لعمل الزوجة، ضغط تربية الأبناء، الخشية من بيئات العمل الذكورية، النظرة المسبقة لقبلة المرأة على القيادة: ترى السيدة هناء: «أحياناً تكون المرأة في اجتماع يضم عشرين رجلاً من أصحاب القرار، وهنا علينا أن نقول إننا موجودة وأعرف لماذا أنا هنا».
أخيراً وليس آخراً
في نهاية الحوار، تبدو هناء الأسدي أقل حديثاً عن منصبها، وأكثر حديثاً عن الفكرة التي أوصلتها إليه: إن الطموح لا يكفي وحده، لكنه يصبح قوة حقيقية حين يسنده تعب طويل وإصرار لا ولين. هي تقدم نفسها كامرأة وصلت إلى موقع قيادي فحسب، بل كنموذج لأمراة تقول إن الصعود في مؤسسات الدولة ليس هبة تُمنح، بل معركة تخاض كل يوم.