رحلة بساط الريح إلى سماور
سناء النقاش · 2026-11-05

حين جلس الحنين إلى مائدة بغداد، قال لي بساط الريح: اليوم لا نبحث عن مطعم... بل عن رائحة بيت. تركنا خلفنا المطابخ العالمية، وما زالت رائحة التوابل التركية ترافقنا. التفتُّ إلى بساط الريح وقلت: "إلى أين سنحلق الآن؟". خفض جناحه قليلاً، وكأنه يريد أن يهمس بسر. قال: "تعِبنا من السفر بعيداً... اليوم سنعود إلى بغداد". قلت مبتسمةً: "ألسنا في بغداد أصلاً؟". ضحك وقال: "بغداد ليست مدينة واحدة... إنها مدن كثيرة تسكن مدينة واحدة. واليوم سأريك بغداد التي كانت تضع إبريق الشاي على النار قبل أن تفتح أبوابها للضيوف". وبهدوء، هبط بنا أمام مطعم يحمل اسمًا يعرفه العراقيون قبل أن يقرؤوه...

التي تُعانق أضلع اللحم في القاع، لتمزج النكهات في حوار سري بين الحموضة والدفء.
ولا تكتمل التجربة دون المشويات التي تتنفس عطر الجمر، من كباب طري وتكة تُطهى ببراءة لتختصر سر المذاق العراقي الشهير.
وحين تهدأ الحركة، يبتسم المكان لهويته الأولى: فالسماور القابع في الزاوية يهمس بخرير الماء والنار، ليغزل الشاي العراقي المهدر على مهل، يُسكب في استكانة شفافة تُكمل حلاوتها قطع الكليجة المعجونة بالهيل. في "سماور"، أنت لا تتناول وجبة طعام، بل تعيش بغدادية غارقة في الدفء، حيث تتكلم الشناشيل، ويتحول كل طبق إلى بطاقة حب موجهة لذائقتك.

المغتربون... يبحثون عن لقمة تشبه الوطن
سألتُ بساط الريح: "لماذا أرى هذا الشوق في عيون بعض الزوار؟". ابتسم وقال: "لأن الإنسان قد ينسى عنوان بيته... لكنه لا ينسى طعمه". ولذلك أصبح سماور محطة يقصدها كثير من العراقيين العائدين من الغربة، ومعهم زوار عرب وأجانب يرغبون في اكتشاف المطبخ العراقي كما يقدمه أهله، بعيداً عن أي تصنع. فالطبق هنا لا يحمل نكهة المكونات فقط، بل يحمل حكاية مدينة كاملة.

سماور.. ليس إصفًا... بل ذاكرة
قبل أن ندخل، توقف بساط الريح أمام السماور النحاسي. مرر يده عليه وقال: "أتعرفين لماذا اختاروا هذا الاسم؟". هززت رأسي. قال: "لأن السماور عند العراقيين لم يكن وعاءً للشاي فقط... كان موعداً للعائلة، وصديقاً للمساء، وشاهداً على أححاديث لا تنتهي". منذ اللحظة الأولى تشعر أن المكان لا يحاول تقليد التراث، بل يعيش داخله. الألوان، والنحاس، والمقاعد، والزخارف، وحتى الموسيقى الهادئة، كلها تستدعي بغداد التي ما زالت تعيش في الذاكرة.

حين يصبح الشاي خاتمة الحكاية
انتهت جولاتنا، لكن بساط الريح لم يطلب مني أن أرافقه مباشرة. قال: "اجلسي قليلاً". جلسنا أمام استكان شاي يتصاعد منه البخار. رفع السماور أنفاسه الهادئة. وقال بساط الريح وهو يبتسم: "المدن العظيمة لا تُحفظ في الكتب فقط... بل في مذاق خبزها، وفي رائحة شايها، وفي البيوت التي تعرف كيف تقول للغريب، تفضل".

هنا... تتحدث الأطباق باللهجة العراقية. همس بساط الريح وهو يتأمل المائدة: "بعض الأطعمة لا تحتاج إلى تعريف... يكفي أن تراها حتى تتذكر طفولتك. في سماور لا تُقدم الأطباق بوصفها وصفات طعام، بل بوصفها جزءاً من الذاكرة العراقية. الدولمة، والتشريب، وكباب العروق، والطماطة الممجوعة، والكاهي والقيمر، والمخلمة، وصينية "أهلنا"... كلها تصل إلى المائدة كما لو أنها خرجت للتو من مطبخ أم عراقية كانت تنتظر أبناءها عند الغروب

على مهل يُدرك الوقت معناه، وحول الشاي المخدر بالهيل تبدأ الحكاية..
في بغداد، لا تُقاس الموائد بوزن الأطباق، بل بعمق الحفاوة ودقة الأثر. المطبخ البغدادي ليس مجرد وصفات تُورث عبر الأجيال، بل هو طقس عريق نضج على نار الهادىء واختزل في طياته كرم الأمس ورفاهية الحاضر. إنه الفن الذي يزاوج بين حامض النومى بصرة وحلاوة الدبس، ويمنح اللحم العراقي دهنته النبيلة، ليكون الطعام قصيدة حسية تُكتب بالطعم والرائحة.
وفي قلب هذا التراث، يأتي "سماور" ليُعيد صياغة المائدة البغدادية بأسلوب يحاكي الأناقة والجمال. يبدأ الصباح فيه كلوحة بغدادية دافئة؛ حيث يتجاور القيمر العراقي الأبيض كغيمة مع العسل الصافي، وتتعالى رائحة الخبز الحار وهو يخرج للتو من جمر التنور ليحتضن المخلمة البغدادية المعطرة بالبهارات ولحم الغنم، إلى جانب كباب العروق الهش، يكتمل صخب الريوق بحضور الباذنجان المقلي الذهبي والضغطَة اللاجعة بلسعتها الحمراء الساحرة التي تفتح الشهية لصباح بغدادي أصيل.
ومع انتصاف النهار، تتجلى فخامة الضيافة؛ فالطلوي البغدادي يستريح فوق أرز بالزعفران والمكسرات الذهبية، مستسلماً لطراوة تذويب الفوارق بين التراث والفن. وتبرز الكبة البغدادية بتفاصيلها المتقنة وحشوتها الغنية كعنصر أساسي في المائدة.
وفي جانب آخر، تعرف الدولمة البغدادية نغمتها الخاصة، بحشوتها الغنية
