«حبيب» في ليل البنفسج لم يكن دوراً .. بل اللحظة التي أعادت ترتيب روحي الفنية
زينب قاسم · 2026-09-20
ليس من السهل أن تختصر مصطفى الربيعي في خانة مطرب أو ملحن أو ممثل، فالرجل يتحرك داخل الفن كما لو أنه يعبر أكثر من نهر في الوقت نفسه؛ مرة بريشة رسام، ومرة بنبرة صوت، ومرة بملامح ممثل يعرف كيف يقول الكثير بالصمت. في هذا الحوار، يفتح الربيعي أبواباً نادراً ما يفتحها، متحدثاً عن طفولة اكتشفت الرسم قبل الكلام، وعن الغناء الذي جاء من دهشة الأصدقاء، وعن التمثيل الذي دخل حياته مصادفة قبل أن يتحول إلى محطة مصيرية غيرت شكل حضوره الفني، خصوصاً بعد شخصية «حبيب» في مسلسل «ليل البنفسج» التي يصفها بأنها العمل الذي عدّل بوصته بالكامل.
أول الخيط... حين كانت الورقة ملعب الموهبة
يعود مصطفى الربيعي إلى البدايات بوصفها المشهد الأصدق في حكايته مع الفن. هناك، في طفولته، لم يكن يرى الأشياء كما يراها الآخرون؛ كل ما تقع عليه عيناه كان يتحول تلقائياً إلى خطوط وصور على الورق. وكان الرسم لغته الأولى قبل أن يتعلم التعبير بأي وسيلة أخرى.
ويقول إن هذه الموهبة سبقت الدراسة بسنوات طويلة وأن الأكاديمية منحتها فقط أسماء ومصطلحات، بينما ظل مقنعاً بأن جوهر الإبداع لا يُدرس، بل يولد مع الإنسان كنعمة تحتاج إلى رعاية وصقل.
من الجلسات الشبابية إلى اكتشاف الصوت
من الرسم انتقل المشهد بهدوء إلى الموسيقى. لم يكن الغناء مشروعاً مخطكاً له، بل بدأ من جلسات بسيطة بين الأصدقاء، حين كانوا يطلبون منه أن يكمل الأغنية وحده بعد أن يلفت انتباههم بحدة صوته الفخمة.
شيئاً فشيئاً، صار الصوت نافذة جديدة للموهبة، ثم جاء التلحين من باب العفوية أيضاً؛ إذ كان يعيد تشكيل الألحان التي يحفظها وفق إحساسه الشخصي، يبدل إيقاعات، ويغير النغمات قبل أن يكتشف لاحقاً أنه كان يمارس التلحين بالفطرة دون أن يسميه بذلك.
الدراما... المصادفة التي فتحت باباً لم يكن في الحسبان
يحدثنا الربيعي عن التمثيل الذي لم يكن ضمن خطة مرسومة لدخوله إلى هذا العالم. جاء عبر المسرح الجامعي أولاً، ثم عبر فرصة تلفزيونية بدت في وقتها مجرد تجربة جديدة لكنها سرعان ما تحولت إلى مسار مهني كامل.
ويصف لنا تلك السنوات بأنها كانت بمثابة مختبر حقيقي للتعلم؛ كان يراقب، يسأل، يجلس طويلاً مع الفنانين المخضرمين في الكواليس، ويؤمن بأن نصيحة واحدة من صاحب خبرة قد تختصر عليه سنوات من التخبط، متتبعاً المثل الذي يقول «الكبر منك بيوم اعرف منه بسنة»، لذلك لم يتعامل مع أعماله الأولى بوصفها إنجازات نهائية، بل بوصفها تمارين ضرورية للوصول إلى اللحظة التي يشعر فيها أنه وجد نفسه فعلاً.
حبيب... الدور الذي أعاد ترتيب البوصلة
وحين جاءت شخصية «حبيب» في مسلسل «ليل البنفسج»، شعر مصطفى الربيعي أن شيئاً مختلفاً يحدث؛ يقولها بوضوح: «هذا العمل لم يكن نجاحاً مادياً... هذا العمل عدّل البوصلة عندي».
فالشخصية كما كتبت في نسختها الأولى كانت تميل إلى العنف الظاهر والانفعال العالي، لكن الربيعي قرر أن يذهب بها إلى منطقة أخرى تماماً: رجل هادئ، قليل الكلام، ثقيل النظرات، يترك أفعاله تتحدث بدلاً من صوته.
هذا التصور وجد صداه سريعاً لدى المخرج علي فاضل الذي دعم هذا الاتجاه، لتتحول الشخصية من نموذج صاخب تقليدي إلى حضور سينمائي يعتمد على الصمت والملامح والتوتر المكتوم.
ويكتشف الربيعي أن سر صدق الأداء جاء من استحضار نماذج حقيقية عاشها في حياته؛ رجال لا يرفعون أصواتهم كثيراً، لكنهم يزرعون الرهبة بمجرد الحضور. ومن هنا خرجت فلسفته في بناء «حبيب»: الخوف الحقيقي لا يأتي من كثير الكلام... بل من الشخص الذي لا يمنحك فرصة لتوقع ما سيفعله.
لماذا بقي «حبيب» في ذاكرة الناس؟
اللافت بالنسبة للربيعي أن الجمهور لم يتعامل مع «حبيب» كشخصية عابرة انتهت بانتهاء المسلسل، بل ظل يسأل عن عودته وإمكانية حضوره في جزء ثان. كان يبدد هذا السؤال وحده شهادة نجاح، لأنه يعني أن الشخصية لم تستهلك داخل الحلقات، بل بقيت معلقة في ذاكرة التلقي.
لكنه في الوقت نفسه يضع شرطاً صارماً لأي عودة محتملة: أن تكون العودة منطقية درامياً، لا مجرد استثمار لشعبية الاسم. فالشخصيات الناجحة - كما يقول - يمكن أن تتحول بسرعة إلى نسخة كارتونية إذا أُعيد تقديمها بلا بريق حقيقي، وعندها لا يُصان النجاح بل يُهدر.
بعد النجاح... هنا يبدأ الامتحان الأصعب
يرى مصطفى الربيعي أن النجاح ليس خط النهاية، بل بداية سؤال أكثر تعقيداً: ماذا بعد؟ بعد «حبيب»، وجد نفسه أمام اختيار حقيقي: هل يكرر الشخصية الناجحة بصيغ مختلفة كي يضمن القبول السريع؟ أم يبحث عن منطقة جديدة أقل أماناً وأكثر مغامرة؟
هنا تتجلى فلسفته التي يلخصها بكلمة واحدة: NEXT؛ أي أن الفنان لا يجب أن يسكن داخل نجاحه، لأن السكن في منطقة مريحة هو أول طريق التكرار، والتكرار بداية التراجع. لذلك يفضل أن يخاطر في كل مرة، وأن يبحث عن ملامح جديدة، حتى لو كانت الطريق أصعب.
حياتي لي... وفني وحده للناس
بعيداً عن الشاشة، يحمل مصطفى الربيعي رؤية واضحة تجاه الإعلام والظهور الشخصي. هو لا يحب الحضور المتكرر في المقابلات لمجرد الظهور، ويرى أن الفنان الحقيقي يجب أن يُقاس بما يقدمه من أعمال لا بعدد تصريحاته وتنقلاته بين الفضائيات.
ويؤكد أن حياته الخاصة ليست مادة للاستعراض، لأن الناس من حقها أن تأخذ الفن.. لا تفاصيل البيت واليوميات. هذا الفصل بين الإنسان وصورته العامة ليس عنده تعالياً، بل احتراماً لفكرة الخصوصية، وإيماناً بأن الفنان حين يستهلك نفسه في الضجيج الإعلامي يخسر جزءاً من هالته.
فلسفة البقاء... الأثر لا الضوضاء
في ختام حديثه يتضح أن مصطفى الربيعي لا ينظر إلى الفن بوصفه مهنة عابرة أو شهرة مؤقتة، بل بوصفه مشروع أثر طويل، من الرسم الذي بدأ به طفلاً إلى الألحان التي صنعت له ملامح خاصة إلى «حبيب» الذي منح منطقته التمثيلية الأهم.
تتشكل صورة فنان يعرف جيداً أن ما يبقى في ذاكرة الناس ليس الأكثر صخباً، بل الأكثر صدقاً. ولهذا ربما لم تكن شخصية «حبيب» مجرد دور ناجح، بل كانت انعكاساً واضحاً لفلسفة صاحبها نفسه: حضور هادئ... قوة غير معلنة... وأثر لا يختفي بسهولة.