جيهان عبدالله: إمرأة كسرت الصمت السياسي بتأسيس حزب نسوي
السيدة الأولى · 2026-09-19
حزب المَوَدّة خُطوة جَريئة للمرأة العراقية»
ليست كل النساء يرضين بالوقوف في الصفوف الخلفية، فبعضهن خُلقتن ليتقدمن المشهد، ويكتبن أسمائهن في الصفحات التي لم تطرقها النساء الآخريات من قبل. ومن بين هذه النماذج النسائية العراقية التي جمعت بين الجرأة والصلابة والإيمان العميق بقدرة المرأة على صناعة التغيير، تبرز السيدة جيهان عبد الله عباس الطائي، المعروفة بـ (أم أمجد)، بوصفها واحدة من الشخصيات النسوية التي اختارت أن تخوض طريقاً غير مألوف، طريقاً مليئاً بالتحدي لكنه أكثر امتلاءً بالأمل.
فهي امرأة لم تنظر إلى المرأة باعتبارها كائناً هامشياً أو تابعاً، بل كانت وما تزال تؤمن بأن في داخل كل امرأة طاقة هائلة، بركاناً من القوة، ونبعاً من الحنان، وبحراً واسعاً من العطاء، وأن هذه القوة لا تحتاج إلا إلى من يوقظها ويمنحها فرصة الحضور الحقيقي.
من صلابة الريف إلى جرأة القرار
كانت ولا تزال تؤمن أن قوة المرأة لا تقاس بما يظهر منها فقط، بل بما تختزنه من إصرار وصبر وقدرة على المواجهة في داخل كل امرأة - كما تقول - بركان من نار، ونبع من الحنان، وبحر لا ينضب من العطاء.
إنها السيدة جيهان الطائي، المرأة العراقية التي خرجت من بيئة ريفية محافظة، حاملة معها صلابة النخلة العراقية وعناد الفلاح الذي لا يعرف الانكسار. نشأت في أسرة تربوية، وتدرجت في عملها حتى أصبحت مديرة يشار إليها بالكفاءة، لكن طموحها لم يتوقف عند حدود الوظيفة، بل اتجه إلى مساحة أكثر جرأة: السياسة وصناعة القرار.
الخطوة التي لم تسبقها إليها امرأة
حين سألناها عن أكثر خطوةتميزت بها، أجابت بثقة:
«تأسيس حزب نسوي عراقي»
نعم، وسط أكثر من أربعمائة حزب في العراق يهيمن عليها الرجال، رأت جيهان الطائي أن المرأة ما زالت مجرد تابع داخل أغلب الكيانات السياسية لا صاحبة قرار. تقول الطائي: "إن النساء قد يظهرن في بعض الأحزاب بأسماء لامعة، لكن التأثير الحقيقي يبقى بيد الرجال، لذلك كان لا بد من وجهة نظرها من ولادة كيان سياسي يمنح للمرأة استقلالية القرار لا مجرد حضور شكلي".
انتخابات 2021.. لحظة الإقصاء التي صنعت الفكرة
تعود الطائي بذاكرتها إلى انتخابات مجلس النواب عام 2021، حين ترشحت مجموعة من النساء المستقلات، وكان يحملن برامج واضحة لخدمة البلد، إلا أنهن أُزيحن بحسب وصفها بالإقصاء. فـ الكوتا النسوية، بدل أن تكون فرصة عادلة، تحولت إلى أداة تضمن صعود مرشحات الأحزاب فقط، بينما بقيت النساء المستقلات خارج المعادلة.
تقول: "كنا اثنتي عشرة امرأة نملك التصميم، لكن المقاعد ذهبت وفق حسابات الكتل السياسية". من هنا بدأت الشرارة الأولى؛ حين اجتمعت تلك النساء، وقررن أن التبعية لم تعد خياراً، وأن الحل هو تأسيس حزب خاص بهن.
حزب المودة.. ولادة المشروع من داخل البيوت
لم تبدأ التجربة بمقرات فخمة ولا بإمكانات ضخمة، بل من اجتماعات بسيطة داخل المنازل، بهدوء، ومن دون ضجيج الفكرة تتبلور حتى خرج الاسم إلى العلَن: حزب المودّة.
وتؤكد الطائي أن هذا المشروع لم يكن سهلاً؛ فقد رافقته ضغوط اجتماعية وعائلية وانتقادات كثيرة، فضلاً عن ضعف الإمكانات المالية مقارنة بالأحزاب الكبيرة التي تمتلك المال والنفوذ. لكنها تكثّف تلك المرحلة بقولها: "كنا نعلم أن الطريق سيكون صعباً، لأنك اخترنا نساء قويات، قادرات على تحمل الهجوم والشائعات".
الكوتا جريمة سياسية بحق المرأة
بصراحة لافتة، ترفض جيهان الطائي فكرة أن الكوتا النسوية الحالية تمثل إنصافاً للمرأة، بل تراها تمثيلاً شكلياً لا أكثر. فالنساء - بحسب رأيها - يصلن إلى بعض المناصب عبر دعم الأحزاب، لكنهن يبقين مقيدات بقرار الكتل التي جاءت بهن، مما يجعل حضورهن محدود التأثير.
وتضيف: "المرأة يجب أن تصل بقدراتها إلى مواقع القرار، لا أن تكون رقماً لتجميل المشهد السياسي". وترى أن نسبة النساء في المجتمع العراقي تقترب من النصف، وبالتالي، من الطبيعي أن ينعكس ذلك على السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية. والطائي لا تربط تمكين المرأة فقط بالتمثيل السياسي، بل تعتبره جزءاً من معركة إصلاح الدولة. فهي تؤمن أن المرأة العراقية قادرة على معالجة ملفات حساسة، وفي مقدمتها ملف الفساد، الذي ترى أنه يبدأ من القيادات العليا قبل أن يصل إلى الموظف البسيط. وتؤكد أن المنظومة السياسية الحالية بحاجة إلى وجوه تمتلك الجرأة والنزاهة، والمرأة يمكن أن تكون أحد أهم مفاتيح هذا التغيير إذا أُعطيت المساحة الحقيقية.
حزب نسوي لا يعادي الرجال
وعلى خلاف ما يعتقده البعض، تؤكد الطائي أن الحزب النسوي لا يعني العداء للرجال، بل يعني بناء شراكة أكثر توازناً. وتكشف أن حزب المودة يضم رجالاً أيضاً، بينهم شخصيات اجتماعية ودينية، لأن الهدف - كما تقول - ليس خلق فجوة بين الجنسين، بل منح المرأة حقها الطبيعي في القرار.
طموح يتجاوز الحزب
طموح جيهان الطائي لا يتوقف عند حدود تأسيس الحزب أو المشاركة الانتخابية المقبلة، بل يمتد إلى مشروع سياسي وتشريعي واسع. فهي تتحدث عن السعي لتعديل قوانين أُضرت بالمرأة العراقية، والعمل على إعادة وزارة المرأة، فضلاً عن حلم أكبر يتمثل بـ وصول المرأة إلى أعلى هرم السلطة. وبثقة واضحة تقول: "لدينا إيمان بأن حزب المودة سيكون صوتاً حقيقياً للمرأة العراقية".
أم لثلاثة أبناء.. وسياسية لا تنفصل عن بيتها
بعيداً عن السياسة، تحتفظ جيهان الطائي بصورة الأم القريبة من عائلتها. رزقها الله ثلاثة أبناء، تفاخر بنجاحهم العلمي والمهني، وتقول إن بيتها قائم على الحوار والتفاهم رغم انشغالاتها الكثيرة. كما تؤكد أنها تستفيد كثيراً من الوسائل الرقمية ومواقع التواصل في إدارة عملها السياسي والإعلامي، مستندة إلى فريق متخصص يساعدها في التنظيم.
امرأة تحاول تغيير قواعد اللعبة
بين صلابة الريف، وضجيج السياسة، تقف جيهان الطائي وهي تحمل مشروعاً مختلفاً: أن تتحول المرأة من رقم بداخل القوائم إلى شرك حقيقي في صناعة القرار. مشروع قد يراه البعض جريئاً، لكنه بالنسبة لها مجرد بداية لمعركة تؤمن أنها تستحق أن تُخاض.
«جيهان الطائي.. الكوتا جريمة سياسية بحق المرأة»