بغداد بين القاهرة والرياض
عبد الزهرة محمد الهنداوي · 2026-07-11
احتلت العاصمة بغداد المركز الثاني عربياً بعد القاهرة من حيث عدد سكانها الذي سيتخطى قريباً حاجز العشرة ملايين نسمة ليلاً، بل ربما تجاوزت هذا الحاجز على اعتبار أن الأرقام التي تحدث عنها تعود لنتائج التعداد السكاني لعام 2024، وعندما نقول ليلاً، فذلك يعني أن عدد سكان العاصمة يعبر الاثني عشر مليوناً خلال النهار، من الذين يأتون إليها من المحافظات الأخرى، لأغراض مختلفة منها الدراسة، العمل، العلاج، السياحة، زيارة القارب.. الخ، ورغم هذه الملايين فمازالت الفجوة السكانية بين بغداد والقاهرة واسعة، فهناك نحو 24 مليون نسمة يقطنون العاصمة المصرية، وهناك فارق بقدر مليوني نسمة بين بغداد وأقرب منافساتها من العواصم، وهي الرياض بواقع 8 ملايين نسمة.
وهنا لست بصدد إجراء مقاربة أو مقارنة في عدد السكان، بين العواصم العربية الأعلى سكاناً، ولكن أردت القول ابتداءً، أن يطلع على مصائب الناس تهون عليه مصائبه، فكان الله في عون القاهرة التي تترزح تحت أكبر كتلة سكانية، بين زملائها من العواصم العربية، وأعان الله بغداد أيضاً التي يبدو أنها تغدو سيراً سريعاً، لتدخل في منافسة مع القاهرة!!
إنما أيضاً أحاول من خلال هذه الأسطر أن أسلط قليلاً من الضوء على التحديات والتحولات الديموغرافية التي يشهدها العراق، انطلاقاً من العاصمة التي تشغل نسبة 21% من مجموع السكان.
هذه التحولات الديموغرافية المتسارعة في العراق جعلت من التحديات السكانية أحد أبرز القضايا المؤثرة في مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويأتي في مقدمة هذه التحديات ارتفاع معدلات النمو السكاني الذي يفرض ضغطاً متزايداً على الخدمات العامة والبنية التحتية وسوق العمل، في ظل محدودية الموارد والحاجة إلى تحقيق توازن بين الزيادة السكانية ومتطلبات التنمية المستدامة.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، يتميز المجتمع العراقي بتركيبة عمرية شابة تمثل في الوقت نفسه فرصة تنمية كبيرة وتحدياً اقتصادياً واجتماعياً. إذ يتطلب استيعاب هذه الطاقات توفير فرص العمل وتطوير النظام التعليمي والتدريبي بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل، ويقترن ذلك بتسجيل معدلات بطالة ليست قليلة على الرغم من الانخفاض النسبي لهذه المعدلات، في ظل ضعف التنوع الاقتصادي، والاعتماد الكبير على القطاع العام في التشغيل.
والممكن لنا ونحن نتحدث عن حجم التحديات الديموغرافية، أن نشير إلى الهجرة الداخلية والتوسع الحضري غير المنظم باعتبارها من الظواهر المؤثرة في توزيع السكان، حيث أدى تركز السكان في المدن إلى ضغط على الخدمات وظهور اختلالات تنموية بين المناطق الحضرية والريفية، فضلاً عن استمرار تحديات الفقر والتفاوت الاجتماعي.
ولعل الحصة الأكبر لهذه الهجرة كانت للعاصمة بغداد، ففيها نشأ أكبر تكفل لتجمعات السكن العشوائي، كما جرى تقطيع أوصال مساكنها بين ساكنها، فتجد ثالث أو أربع عوائل تسكن في بيت كان واحداً، ولكن جرى تقسيمها إلى مشتملات خمسينية لكي يستوعب أفراد العوائل التي تكاثرت ومن ثم انتشرت!!
وهنا لابد من وضع السياسات المناسبة لمواجهة هذه التحديات من خلال السياسات السكانية وخطط التنمية، وبذل المزيد من الجهود في هذا الإطار، وإن نجاح هذه الجهود يتطلب رؤية شاملة تستثمر الموارد البشرية وتحقق التوازن بين النمو السكاني والتنمية الاقتصادية، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وتحقيق التنمية بجميع أبعادها، وصولاً إلى تحويل "الزخم السكاني إلى رافع فعال للمحركات التنموية.