بساط الريح للسيدة الأولى.. يحلق في سماء البصرة البصرة أم الخير.. ثغر العراق الباسم
سناء النقاش · 2026-09-19
لطالما تعلقت بالأنغام البصرية وطريقة التصفيق المنفردة لأهل البصرة وهم يؤدون فنونهم الغنائية التي اشتهروا بها وأغانيهم الجميلة التي تمس شغاف القلب (أحيا وأموت على البصرة.. خلت بقلبي حسرة)، فكنت ولا زلت أتابع فرقة البصرة للفنون الشعبية في منطقة العشار وفرقة (أبو دلم) و(شدة أبو عتيكة) و(شدة أبو ناظم للخشابة) و(شدة ربيع) و(شدة حسين بتور)، منها حاولت الانطلاق مع بساط الريح لأقوم بجولة بصرية بامتياز، ففكرت من أين أبدأ؟ وأين أنتهي؟
أصابتني الحيرة - ولكني توكلت على الله وحزمت أمري مع بساط الريح وجعلتها جولة استكشافية عامة لأن البصرة المدينة الكبيرة في جنوب العراق... جنوب العراق تحتاج إلى أيام وأشهر ووقفات وحوارات ولا يمكن أن نلم بكل ما فيها بوقت محدد أو صفحات محدودة للكتابة، شددت الرحال مع بساط الريح وانطلقت.
من الأعالي
من علو شاهق شاهدت أذان شاشخة تصدح باسم الله في الجوامع والحسينيات ومن مسجد البصرة القديم وهو أول مسجد شيد خارج الجزيرة العربية ويعود تاريخه إلى عام 14 هجرية ومرقد الحسن البصري في قضاء الزبير ومساجد أخرى عديدة.
بعدها ألقيت نظرة على الأسواق العامرة بالبضائع والسلع في سوق البصرة القديم وفي قلب المدينة سوق العشار ثم شارع الوطن ومجمع البصرة التجاري و(تايم سكوير) أحدث وأكبر المجمعات التسويقية الحاديثة، فدعوت الله أن تبقى هذه الحركة الاقتصادية مستمرة.
من الأعالي انبهرت بملعب جذع النخلة الذي أصبح علامة فارقة في عالم ملاعب كرة القدم على المستوى المحلي والدولي.. صرح عملاق يستحق منا الإشادة.
بعد هذه الجولة الشاملة، استرحت قليلاً، هبطت إلى جزيرة السندباد وهي من أشهر المعالم السياحية في البصرة حيث الطعام من أروع ما يكون بنكهته التي لا تقاوم خاصة سمك المسقوف بأطباق شهية ولكن بساط ناداني لإكمال الجولة قبل حلول المساء.
اخترت أن نعرج على شط العرب وهو الشط الذي تغنى به الشعراء وكتب عنه رجال التاريخ والجغرافيا ووزراء العشاق والرحالة والسباح، شط العرب يتكون من التقاء نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة ويمتد لمسافة 200 كيلومتراً ويصب في الخليج العربي عند مدينة الفاو الشهيرة ويشكل حدوداً بين العراق وإيران ويبلغ عرضه عند المصب حوالي 2 كيلومتر وعند البصرة 1 كيلومتر ولن لا يعرف نقول شط العرب ممر مائي حيوي للتجارة والملاحة ومصدراً رئيسياً للري والزراعة للمناطق المحيطة به ويلعب دوراً حيوياً في نقل النفط من العراق إلى العالم، ويعد شط العرب موقعاً مثالياً للتمتع بالرحلات البحرية والاسترخاء.
ولكن مع الأسف شط العرب يواجه الآن تحديات منها تلوث المياه وتراكم الطمي والرواسب في قاع الشط والتغيرات المناخية التي تؤثر على مناسيب المياه وآمل من حكومتنا الرشيدة الالتفات إلى ذلك.
مع الناس
لم أعتمد على جولة بساط الريح والنظر من الأعالي فقط بل آثرت النزول إلى حيث الناس والحديث معهم حول البصرة فحدثني الشاعر الشعبي كاظم الزهيري من أهل البصرة القدماء، قال: البصرة أم الأدب والفن والشعر ومنها الفراهيدي ومنها جيل المظفر ومحمد الأسمر وسعدي يوسف وعبد الكريم كاصد وكفاحنا فخراً أن الشاعر بدر شاكر السياب هو ابن البصرة الفيحاء.
انطلقنا إلى جيكور بصحبة الشاعر الشعبي كاظم الزهيري مسقط رأس السياب (1926 - 1964) رائد الشعر الحديث في العراق ومن أشهر قصائده أنشودة المطر التي يتغنى بها العراقيون جميعاً والمومس العلياء.
وفي جيكور متحف خاص بالسياب إذ تم تحويل بيته القديم إلى متحف أدبي، فقد بني البيت في الربع الأول من القرن التاسع عشر بالطابوق الفخار والطين المخلوط بالقش وفق الطراز الريفي التقليدي، تتوسطه فسحة بئر مستطيلة وكانت البساتين تحيط به قبل أن يلتهمها الزحف العمراني، وفي العام الماضي وتحديداً في 4 حزيران أعلن عن انطلاق مشروع جديد لإعمار بيت ومتحف السياب بتعاون مشترك بين (مؤسسة رؤى البصرة الثقافية) ومفتشية الآثار في البصرة ومنظمة يونسكو.
يقول الزهيري إن هذا المشروع هو إحياء للذاكرة الأدبية العراقية عامة والبصرية خاصة.. نأمل أن النشاطات في عام 2026 ستكون حافلة تعيد إلينا أمجاد الثقافة البصرية.
قلت للشاعر الزهيري مادمنا في بيت السياب وهو في قضاء أبي الخصيب فلنقم بجولة نَنعَم فيها بسحر البساتين، أجاب نعم فسكان أبو الخصيب مزارعون مجدون لم يغادروها إلا القلة منهم، ويشتهر قضاء أبو الخصيب بزراعة النخل بأنواعه الحلاوي والبريم والزهدي والخستراوي والجوزي والأشرسي والجيباب والسائر والبرحي والديري.. ورغم تعرض هذا القضاء للقصَف المباشر وتحوله في الحرب العراقية الإيرانية واحتراق الآلاف من أشجار النخيل والفواكه إلا أن سكان أبو الخصيب عادوا إلى زراعتهم وهناك جهود لإعادة إحياء الزراعة في المنطقة مستمرة إلى الآن فهم يعشقون أرضهم بكل ما فيها.
المضايف والفنادق
بعد أن أسدل الليل عباءته السوداء وبدأت النجوم تلمع في السماء، البصرة والأنوَار بألوانها في الشوارع تتحول إلى شبكة من لؤلؤ ومرجان وأمواج الشط تتلاطم بحنان متدفق؛ كان لابد لنا من المبيت في البصرة لإكمال الجولة في اليوم التالي، افرح قلوبنا أن جميع البصريين قدموا الدعوة لاستضافتنا في بيوتهم العامرة بالحب والكرم وفي مضايفهم العامرة بالنخوة والشيمة العربية الأصيلة كما فعلوا مع الأشقاء العرب في خليجي 25، ووصلتنا الدعوات حتى لحضور مهرجان مربد القادم، المهرجان الشعري الأقدم في الوطن العربي - ودعوات لقضاء سهرات في النادي والكورنيش قرب الجسر الإيطالي وهو أبهى جسر في العراق والخليج العربي ودعوات عشاع، إلا أننا سألنا عن الفنادق فشعرنا بالفرح لكثرة عدد الفنادق الجديدة الكبيرة حيث لم يكن في الثمانينيات في البصرة سوى فندق المطار والشيراتون وفنادق شعبية أخرى صغيرة هنا وهناك، تجولنا في أمسية جميلة مع الأصدقاء، وشاهدنا فندق كراند ميليتيوم البصرة وهو من خمسة نجوم في مركز المدينة ويبعد عن مول تايم سكوير بضع كيلومترات مجهزاً بكل وسائل الراحة، وفندق هورايزون، وفندق شمس البصرة ويبعد عن مطار البصرة الدولي نصف ساعة، وفندق البصرة الدولي المطل على شط العرب بإطلالة رائعة ويبعد عن الكورنيش دقيقتين سيراً على الأقدام.
البصرة أم الخير
في اليوم الثاني انطلقنا على بساط الريح في جولة جديدة لنرى الشركات ومنابع النفط والخير الذي فوق الأرض وتحت الأرض، فالبصرة المركز الرئيسي في العراق للصناعات النفطية وتعمل في شركاتها الآلاف من الكوادر الهندسة والفنية والعالية المتخصصة ومن نفطها أكثر من خمسة وسبعون بالمائة من ميزانية الدولة.. بعد ذلك حلق بنا بساط الريح فوق الموانئ والأرصفة ورصدنا حركة العمل في ميناء البصرة على شط العرب وميناء المعقل وتابعنا من خلال بساط الريح إنشاء مدينة صناعية باستثمار يفوق ملياري دولار ومشروع مجاري القرنة ومشروع الطريق الدولي الذي سيحل مشكلة الازدحام ومشروع مدينة البصرة الصناعية والعمل على إنشاء 16 مشروعاً سكنياً جديداً.. كل ذلك سيعيد مع الأيام نظرة تفاؤل فالبصرة كانت ولازالت أم الخير وأحيا وأموت على البصرة.