العالم المتحضر وأزمة حقوق الإنسان: حين تُباع القيم في سوق المصالح
اللواء خالد المحنا · 2026-09-19
يقف العالم اليوم أمام مفارقة صارخة لا يمكن تجاهلها؛ فبينما تملأ مفردات الكرامة والحرية والعدالة أروقة المنظمات الدولية وخطب الزعماء، يرزح ملايين البشر تحت وطأة انتهاكات يومية لا تتوقف. وما يزيد المشهد مرارة أن كثيراً من هذه الانتهاكات لا تُرتكب في الظلام أو بعيداً عن الأعين، بل تجري أمام الكاميرات وبمباركة القوى الكبرى أو صمتها المتواطئ. فأين الخلل؟ وكيف أصبحت القيم الإنسانية رهينة الحسابات السياسية وأسيرة ميزان القوى؟
زمن باتت فيه الكلمات تُحكم قبضتها على الحقائق أكثر مما تكشفها. في حين صار بالإمكان شنّ الحروب باسم السلام، وتجويع الشعوب باسم العقوبات، واحتلال الأرض باسم نشر الديمقراطية. وهكذا يغدو الصمت الدولي جريمةً موصوفة لا مجرد تقصير دبلوماسي.
العالم اليوم لا يعاني من شُحّ المعلومات، ولا من غياب القانون الدولي، ولا حتى من فقر المبادئ المُعلنة. ما يعانيه حقاً هو أزمة شجاعة القرار، تلك الشجاعة النادرة التي تجعل الموقف السياسي ينحاز للإنسان لا للمصلحة، وللحق لا للتحالف. فالدول التي ترفع راية الديمقراطية وحقوق الإنسان لا تتورع أحياناً عن التغاضي عن انتهاكات جسيمة حين تقتضي ذلك مصالحها الاستراتيجية. بينما تُسلّ سيف العقوبات والإدانات بحق دول أخرى لأسباب لا تخلو من الازدواجية الصريحة. إن الانتقائية في تطبيق القانون الدولي ليست مجرد قصوراً تقنياً، بل هي أزمة أخلاقية تنخر في مصداقية المنظومة برمتها وتُسقط هيبتها أمام ضحاياها.
فلم يعد خافياً على أحد أن منظومة الأمم المتحدة، بما تحمله من ميثاق وقيم، تعيش على وقود المفارقة. فحق النقض «الفيتو» وحده يكفي دليلاً على أن النظام الدولي لم يُبْنَ على العدالة بل على موازين القوة. خمس دول تمتلك مفاتيح السلم والحرب، وملايين البشر يدفعون الثمن.
حين تقصف مستشفيات في غزة، ويُهَجَّر أهل السودان، وتُحاصر اليمن سنوات طويلة، وتُقصف مدارس إيران وتُصادر حقوق الشعوب الأصيلة في أرضها - تخرج البيانات متأخرة، وتُوقف القرارات باسم «التعقيدات الجيوسياسية»، وتنتهي الجلسات بـ«قلق بالغ» لا يُغيّر شيئاً على الأرض. إن ازدواجية المعايير ليست مجرد نقيصة أخلاقية، بل هي سُمٌّ يُدمّر مصداقية المؤسسات الدولية من جذورها.
ولعل أشد مظاهر الانحطاط الأخلاقي في السياسة الدولية فداحة هو توظيف لغة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ذريعة لشنّ الحروب وتبرير الاحتلال. لقد شهد العالم في العقود الأخيرة كيف تحولت شعارات «تحرير الشعوب» و«نشر الديمقراطية» إلى غطاء أيديولوجي لعمليات عسكرية خلّفت دماراً شاملاً وأفرزت فوضى لم تُعالج تداعياتها حتى اليوم. وقد كشفت هذه التجارب المريرة أن «الإنسانية» التي أُعلنت ذريعة للتدخل لم تكن سوى قناع يُخفي أجندات جيوسياسية واقتصادية لا تخفى على ذي بصيرة. والأخطر من ذلك أن هذا التوظيف الزائف للقيم أفقد هذه المفاهيم بريقها وزعزع الثقة الشعبية بها في أرجاء واسعة من العالم. فأصبح الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان مثاراً للسخرية لا الإلهام لدى الشعوب التي ذاقت طعم (التحرير) القسري. لتتكشف في نهاية المطاف الأجندات الحقيقية وراء تلك الشعارات والتي تتعلق بالنفط والنفوذ وإعادة رسم الخرائط.
العالم اليوم في أشد الحاجة إلى جرأة أخلاقية وقول الحق والوقوف مع الإنسان حتى لو كان ثمنه باهظاً؛ فإصلاح بنية النظام الدولي بأسلوب جذري وفق ركائز واضحة كإلغاء الفيتو أو تقييده بضمانات وكذلك محاكمة المتهمين الكبار من قبل المحكمة الجنائية بدون استثناء منها أحداً والعمل على تعزيز استقلالية المنظمات الإنسانية ومنح الشعوب صوتاً حقيقياً. هو وحده السبيل لإعلان الشرعية ودون هذه الإصلاحات يظل مصطلح الحضارة مجرد لافتة فارغة تتكسر أمامها أحلام ملايين البشر في كافة الأزمنة.