الرجل الذي جعل الابتسامة أشهر وصفة في العالم
سناء النقاش · 2026-11-04

قال بساط الريح: اليوم لن نزور مطعماً... بل سنزور حلماً.
قبل أن أقلع كعادته، سألني بساط الريح: "هل تعلمين لماذا يتجمع الناس حول بعض الطهاة كما يتجمعون حول نجوم السينما؟". ابتسمت وقلت: "لأنهم يصنعون طعاماً لذيذاً". ضحك وقال: "لو كان الطعام وحده يكفي، لكان العالم مليئاً بالمشاهير. هناك من يطهو الطعام... وهناك من يطهو الفرح". ثم ارتفعنا فوق بغداد، وكانت الشمس تنعكس على نهر دجلة؛ بينما كانت المدينة تستعد ليوم جديد. لم يطل التحليق كثيراً، حتى هبطنا أمام أحد أشهر المطاعم العالمية التي اختارت العاصمة العراقية محطة جديدة لها. نظر إليّ بساط الريح وقال: "اليوم سنلتقي بحكاية اسمها... الشيف بوراك".

عندما يتحول الطاهي إلى سفير للابتسامة
في عالم المطابخ، يكتفي معظم الطهاة بالوقوف خلف الأفران، لكن الشيف بوراك اختار طريقاً آخر. لم يجعل الطعام وحده بطل المشهد، بل منح كل طبق ابتسامة، وكل حركة معنى، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بالبهجة قبل أن يرتبط بالنهايات. وهكذا خرج من حدود المطبخ ليصبح وجهاً يعرفه الملايين، ورسالة تقول إن الطعام قادر على جمع البشر مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم. همس بساط الريح: "الناس لا يتذكرون الوجبة فقط... بل يتذكرون الشعور الذي غادروا به المكان".

من إسطنبول... إلى بغداد
لم يكن اختيار بغداد محطة جديدة لسلسلة مطاعم الشيف بوراك قراراً عابراً. فالدمدينة التي استعادة حيويتها الاقتصادية، وأصبحت تستقطب كبرى العلامات العالمية، كانت مؤهلة لاستقبال تجربة تجمع بين المطبخ التركي وروح الضيافة العراقية. ويضم العراق فرعين من السلسلة، أحدهما في أربيل، والآخر في بغداد، مع خطط للتوسع خلال المرحلة المقبلة، في مؤشر واضح على الثقة بالسوق العراقية وما تشهده من نمو في قطاع المطاعم والسياحة.

بغداد... مدينة تعرف كيف ترحب بالعالم
سألت بساط الريح ونحن نتأمل الزوار القادمين من جنسيات مختلفة: "ما الذي يجعل العلامات العالمية تختار بغداد اليوم؟". أجاب بثقة: "لان المدن لا تقاس بعدد مبانيها... بل بعدد الفرص التي تمنحها". وقد وجد الشيف بوراك في بغداد مدينة تعشق التنوّع، وتستقبل التجارب الجديدة بحفاوة، لذلك لم يكن افتتاح الفرع مجرد توسع تجاري، بل خطوة نحو بناء علاقة طويلة مع جمهور يقدر الجودة ويبحث دائماً عن الجديد.
المطبخ التركي... بلهجة عراقية
رغم أن هوية المطعم تركية، إلا أن فرع بغداد لم يأت ليكرر تجربة المدن الأخرى. فقد جرى تطوير عدد من الأطباق بما ينسجم مع الذائقة العراقية، دون أن تفقد روحها الأصلية، ليشعر الضيف بأنه يتذوق المطبخ التركي، لكن بنكهة أقرب إلى ما يحبه العراقيون. ويؤمن فريق المطعم أن الشعب العراقي يمتلك ذائقة واسعة، ويحب اكتشاف النطابخ المختلفة، وهو ما شجعهم على تقديم تجربة تراعي خصوصية المكان، وتحترم هوية المطبخ في الوقت نفسه.
ليس استعراضاً... بل لغة تواصل
سألت بساط الريح: "هل تكفي تلك الحركات التي يشتهر بها الشيف بوراك ليعود الزبون مرة أخرى؟". أجاب وهو يراقب الطهاة يعملون بانسجام: "الاستعراض يلفت العين... أما الجودة فهي التي تعيد الضيف". وهذا ما يؤكدة فريق العمل؛ فالعرض البصري هو الدعوة الأولى، لكنه لا يصبح ذا قيمة إلا إذا رافقته جودة في المذاق، وسرعة في الخدمة، واهتمام بأدق التفاصيل، ولهذا تبدأ كل صباح رحلة جديدة من التدقيق في المكونات، ومراقبة الجودة، وتوحيد معايير العمل، حتى تبقى التجربة واحدة في جميع الفرع.
النجاح يبدأ من الفريق
خلف كل طبق يصل إلى الطاولة، هناك عشرات الأيدي التي تعمل بصمت. فالمطعم لا يعتمد على مهارة الطاهي وحده، بل على منظومة تبدأ من اختيار المواد الأولية، وتمر بالتدريب المستمر، وتنتهي بابتسامة موظف يستقبل الضيف. ولذلك يؤكد القائمون على المطعم أن النجاح الحقيقي لا يصنعه اسم كبير فقط، بل فريق يؤمن بأن كل زائر يستحق أفضل تجربة ممكنة.

بوراك يروي حكاية المذاق التركي في بغداد
يعتمد المطبخ التركي على التوازن الذكي بين جودة المكونات والبهارات اللطيفة مثل السماق، الفلفل الأحمر الحلبي، والنعناع المجفف، مع لمسات سخية من الزبدة الحيوانية وزيت الزيتون والطهي على الفحم.
وفي مطعم بوراك بغداد، تتصدر القائمة مجموعة من أشهر الأطباق العثمانية والأنطاكية: إسكندر كباب: شرائح لحم الدونر الفاخرة فوق الخبز الطازج، المغطاة بصلصة الطماطم والزبدة المغذية مع اللبن الرائب. الضلوع والرقبة بالفخار: لحم مشهو بطء، داخل أوان فخارية مغلقة بالعجين، يُقدم بعرض استعراضي بالنار. مشاوي بوراك المشكلة: تشكيلة من كباب أنطاكية والشيش طاووق والقطع المشوية على الفحم. الكباب العثماني بالطاجن: كباب بالبهارات والمكسرات يطهى مع الخضار تحت طبقة من العجين الذهبي. الكنافة الانطاكية: حتى أبيقوني مشوي على الجمر ومحشو بالجبن المذاب مع الفستق الحلبي والآيس كريم التركي.
