إبتسامة عذبة ودولمة بنكهة عراقية على كورنيش البصرة
نور الدين العلقي · 2026-09-19
على كورنيش شط العرب في البصرة الفياض بالحياة تفر الأيام بحركتها وعطائها ومع بساطة الناس وطيبتهم تقف أم محمد خلف بسطة صغيرة لبيع الدولمة، تحمل معها حكايات وتجارب وآلام.
أم محمد إمرأة عراقية بسيطة تعيل ستة أيتام من أحفادها بعد أن فقدوا سندهم في الحياة لم تنتظر مساعدة ولم تستسلم للظروف، بل قررت أن تقف بقوة، تتحدى الصعاب وتكن مأوى لهم فمنذ ساعات الصباح الأولى وحتى المساء تعمل أم محمد بكل إصرار، لتوفر لقمة العيش لأحفادها، وتمنحهم حياة كريمة لا يمدون أيديهم لأحد بل يركزون على دراستهم فجعلت لهم هدفاً في كل طبق دولمة تبيعه .. هناك حكاية تعب وفي كل إبتسامة ترسمها... هناك قوة أم عراقية لا تتكسر، قصة أم محمد ليست مجرد قصة كفاح فردي ... بل هي نموذج حي للمرأة العراقية القوية، التي تصنع الأمل من أبسط الإمكانيات.
من كورنيش شط العرب .. نروي لكم قصة أم محمد، قصة أم وقوة وحياة بأكملها تحكيها بإبتسامتها العفوية والخجولة، تلف جسدها بعباءة الرأس العراقية، تسرد تفاصيل قصتها لقراء السيدة الأولى وصوت موجات شط العرب تحي صمودها وتسندها، تقول أم محمد "قبل سنوات كانت حياتي مختلفة تماماً... كنت امرأة تعيش داخل بيتها، أم لستة أبناء، ثلاثة أولاد وثلاث بنات، حياة هادئة، لا يعكر صفوها شيء، فالرجل قائد البيت ومتكفل بكل ما نحتاجه، زوج حنون.. ويقدر الحياة الزوجية ويحب الأبناء، ويخطط ليكون لهم مستقبلاً وضاحاً.
ولكن الأحلام والتخطيطات ذهبت أدراج الرياح بعد وفاته، وفجأة تغيرت كل تفاصيل الحياة من حولي، وجدت نفسي أمام مسؤوليات أكبر مما توقعت لم تعد التحديات تقتصر على فقدان الشريك بل بدأت الضغوط تتزايد مع الظروف المعيشية الصعبة وعدد أفراد الأسرة الكبيرة بدأت أفكر ما أنا عساي أن أعمل وكيف أحافظ على الأولاد، خاصة مع ما يحيطنا من منزلقات اصدقاء السوء، والحرية الزائدة والبحث عن الماديات في عالم غريب بدأ يلقى بظلاله ليس على أسرتي فقط بل الكثير من الأسر،، هنا
علاقتي بأولادي بنيتها كمصداقة وأمومة، لكني صديقتهم أولاً أفخر بنجاحاتهم، التي تشعرني أن تعب السنين ما راح هدر.. مثلاً، واحدة من بناتي تزوجت، من دكتور والأخرى تكمل دراستها الجامعية الآن في تخصخص الإدارة والاقتصاد وتفتخر بي أمام صديقاتها، إجماع وربيتي الأكبر دعمني بعملي والآن يعمل هو الأخر يبسطة دولة ثانية في كورنيش منطقة المعقل.
وحتى كناتي الثلاثة يعاملونني معاملة الأم والصديقة ويبذلون مجهوداً كبيراً في مساعدتي بإدارة المنزل وبتحضير قدور الدولة منذ الصباح الباكر.. الحمد لله كلنا نتعاون من أجل أن نكون صامدين ونؤمن عيشة كريمة ومستورة لنا جميعاً.
هذا ما جعل الألم يصبح أملاً يكبر يوماً بعد يوم حلمي البسيط تأجل سنين، لكني أحاول مع عائلتي ونستمر في المحاولة فلا اعتقد إنه مستحيل أبداً مطبخ صغير بعيد عن ضوضاء الشارع يحمل أسمي (دولة أم محمد، الإيمان بالنسبة لي ضار هو الحلم والأمل بعد كل ما مررت به، يجعلني أكثر صبراً.. أتحمل، وأبقى واقفة مرفوعة الرأس، حتى لو كان الفقر يحاصرنا تبقى الكرامة أهم شيء الإنسان الفقير لا يملك إلا كرامته وأنا مصره على تعليم أولادي هذا الدرس مهما كانت الظروف صعبة.
وبعيون تحتبس الدموع وغصة في الكلمات قالت تعبت الكثير من الدروس في الشارع لكن أهمها الاحترام، تعلمت احترام نفسي كثيراً، أولاً لا أبقى بعيدة عن المشاكل وتانياً لأكسب احترام الناس فصار الجميع يحبني وكل الناس في البصرة تبحث عن أم محمد لتتذوق دولتها الحامض حلوة أو الحامضة اللحة ولا يرغبون في شرائها من شخص آخر، الا بوجودي انا شخصياً في البسطة باختصار حبوني لاني محترمة وبنفس الوقت ابتسمت وأكدت "كلي نظيف وطبب أنا مرتبة و نازكة من قبل، ولم أجد الآن قاطع حوارنا مع أم محمد الكثير من المشترين كانوا يطلبون تذوق الدولة قبل الشراء، كانت كريمة جداً بطبقها وطريقة تقديمه لهم سمعنا اشادات الناس بنكهة اطباقها وهنا لم نرغب بأن نعطلها عن العمل خصوصاً انه وقت الذروة.
سألناها أخيراً عن اكبر أمنية تتمناها ؟
قالت ووجهها يشع بالحب الحج، ماذا أنتظره منذ سنتين وأتمنى أن تكون لي فرصة لزيارة بيت الله الحرام .. هناك سأدعو للعراق أجمع الأمن والأمان... محزن جداً أن ننهي هذا اليوم الجميل الذي قضيناه مع أم محمد التي جعلتنا بعفويتها التي تشبه موجات شط العرب العذبة ننسى الوقت ونستمتع بالاصغاء، لحديثها عن تفاصيل تجربتها بالحياة اصرت أن نتناول من أطباق الدولة قبل أن نغادر، وحملتنا أمانة أن نوصل دعوتها لجميع السيدات وخصوصاً قارئات السيدة الأولى في منزلها المتواضع لتقديم لنا اطباقاً أخرى تجيدها وترغب بتقديمها في مطبخها الجديد إن شاء الله
اصبحت المهمة صعبة ليس بتوفير المال للمعيشة، بل بالحفاظ على كيان الأسرة بعيداً عن الشرور، تواصل أم محمد حديثها وفي ذات الوقت تلبي طلبات زبائنها الذين اصبحوا لا يستغنون عن دولتها، لطيب مذاقها، ونكهتها الجذابة للمتذوقين.
تقول لم يكن التحول سهلاً، خاصة مع وضعي الصحي، فأنا أعاني من أمراض مزمنة عدة بينها مشاكل في القلب والسكري، وقد خضعت لثلاث عمليات سابقة إضافة إلى زراعة شبكات وبالونات في القلب.. وحتى اليوم.. ما زال الأطباء يوصون بإجراءاتي لعملية جديدة للصمام، وهو أمر يثير في داخلي الكثير من القلق والخوف، لكني أحاول دائماً أن أتمسك بالأمل، ومع ذلك، لم أفكر يوماً في التراجع، المسؤولية كانت أكبر من التعب وأثقل من الخوف.
كنت أعلم أن هناك من ينتظرني كل يوم وأن علي أن أواصل.. مهما كانت الظروف صعبة.. العمل لم يكن خياراً، بل ضرورة فرضتها الحياة.. ومع كل يوم نكتشف أنني أصبحت أقوى مما كنت أتصور، وكلما ازداد التعب كبرت أمنياتي، بحلمي المستقبلي وهو أن أملك مشروعاً صغيراً، مطبخاً بسيطاً أو محلاً متواضعاً أعمل فيه بهدوء، بعيداً عن صعوبة العمل اليومي في الشارع.
حلم صغير لكنه بالنسبة لي يعني الكثير.. يعني بعض الراحة بعد سنوات طويلة من التعب... يعونها ابتسامتها، أتحدث أم محمد وهي فرحة بما قدمته لعائلتها منذ بداية حياتي واليوم، وأنا اتعلم الصبر وكيف أحافظ على قوتي، حتى وأنا منهارة من الداخل الحياة علمتني أن المرأة عليها أن توازن بين ضعفها وقوتها، خصوصاً أمام أولادها، فأولى الصدمات التي علمتني الصبر هي فقدي لإخواني الشهيدين، احدهما بحرب إيران والثاني بحرب الكويت، ولا استطيع أن أنسى وجع قلبي لغاية اليوم، لكن لا بد من صمودي واقفة، فأولادي يحتاجونني قوية فما لي الكبير هو رؤيتهم سعداء وان أوفر لهم ابسط الأمور للمعيشة اليومية لأحافظ على كرامتهم با عين الناس.. لكي لاتكسر نفسيتهم او يشعرون بالإحباط، عملت بأقصى جهدي واتذكر في البدايات، بعت أمور كثيرة من صناعتي (شغل ايدي) الطرشي الكبة، الخبز، وكل تفاصيل البيت.
هناك مثل شعبي يقول "سبع صنايع والبخت ضايع، أنا خالفته بإصرار فلم يضيع البخت لاني خلقت جيل جديد وعائلة متماسكة احياناً وأنا أحاول النوم بعد يوم متعب، بيني وبين نفسي هل كان زواجي المبكر خطأ، وهل إنجاب ستة أبناء خطأ مع الوضع العائلي الصعب، وأسئلة أخرى غيرها، لذا انصح بناتي والشابات بعدم التسرع في اتخاذ القرارات المصيرية، ووضع كل شيء، في مكانه الصحيح لأن الحياة صعبة وتحتاج الى كفاح
ثم تحدثت ام محمد عن صعوبات يومية تواجهها.
وتقول حدث اخر تعرضت له جعل من التحديات اصعب، فمنزلي تعرض للحرق بالكامل، دخان أسود، ولهب نيران، لا يمكن أن يمحى من ذاكرتي..
الناس ساعدونا، الحمد لله، وعدت للمواصلة من جديد بقوة أكبر.